المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٥٤ - فمن الحوادث فيها خروج أهل مصر و من وافقهم على عثمان رضي اللَّه عنه
فأقبل الحسن بن علي، فقال له: مرنا بأمرك، فقال: يا ابن أخي، أوصيك بما أوصي به نفسي، و اصبر و ما صبرك إلا باللَّه،
و جاء ابن الزبير، فقال له مثل ذلك، و جاء محمد بن طلحة فقال له مثل ذلك.
و أشرف عثمان [١]، فقال: يا أهل المدينة إني أستودعكم اللَّه فارجعوا، و لزم عثمان الدار أربعين ليلة، فلما مضت من الأربعين ثماني عشرة ليلة قدم ركبان من الوجوه فأخبروا خبر من قد تهيأ إليهم من الآفاق: حبيب من الشام، و معاوية من مصر، و القعقاع بن عمرو من الكوفة، و مجاشع من البصرة، فعندها حالوا بين الناس و بين عثمان، و منعوه من كل شيء حتى الماء، فبعث إلى عليّ رضي اللَّه عنه بأنهم قد منعونا ١٩/ أ الماء، و إلى طلحة و الزبير و عائشة و أزواج النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم/ [٢]،
فجاء إليهم علي فقال: إن الّذي تصنعون لا يشبه أمر المؤمنين و لا أمر الكافرين، فإن الروم لتأسر فتطعم و تسقي، فقالوا:
لا و اللَّه و لا نعمة عين، لا نتركه يأكل و لا يشرب، فرجع.
و جاءت أم حبيبة [على بغلة لها برحالة] [٣] مشتملة على إداوة، فقالت لهم: إن وصايا بني أمية إلى هذا الرجل فأحببت أن ألقاه فأسأله كيلا تهلك أموال اليتامى، فقالوا:
كاذبة، و قطعوا حبل بغلتها بالسيف، فنذرت فتلقاها الناس.
و تجهزت عائشة خارجة إلى الحج هاربة.
و حج بالناس تلك السنة عبد اللَّه بن عباس بأمر عثمان و هو محصور.
فلما علم المصريون أنهم مقصودون، قالوا: لا ينجينا إلا قتل هذا الرجل، فراموا الباب، فمنعهم الحسن، و ابن الزبير، و محمد بن طلحة، و مروان، و سعيد بن العاص، و كانوا مقيمين على الباب، فناداهم عثمان: اللَّه اللَّه، أنتم في حل من نصرتي، فأبوا، ففتح الباب، و خرج و معه الترس و السيف، فبارز المصريون، و ركبهم هؤلاء فتراجعوا، و أقسم على أصحابه ليدخلن إذ أبوا أن ينصرفوا، فدخلوا فأغلق الباب دون المصريين،
[١] تاريخ الطبري ٤/ ٣٨٥.
[٢] في الأصل: «أزواج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم».
[٣] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، أوردناه من الطبري.