المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٣٠ - و في هذه السنة اجتمعت الخوارج على حرب عليّ رضي اللَّه عنه و تأهبوا لذلك
الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ [١]، فقال حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه، فقال له عليّ: ما هو ذنب و لكن عجز من الرأي، ٥١/ ب و ضعف من العمل و قد/ نهيتكم عنه، فقال له زرعة: أما و اللَّه يا علي، لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب اللَّه قاتلتك أطلب بذلك وجه اللَّه و رضوانه، فقال عليّ: بؤسا لك، ما أشقاك، كأني بك قتيلا تسفي عليك الريح، فقال: وددت أن قد كان ذلك.
فخرج عليّ يوما فخطب، فقالوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا اللَّه، و صاح منهم رجل بعليّ رضي اللَّه عنه، فقال: وَ لَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [٢] فقال علي: فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ [٣].
فاجتمعت الخوارج في منزل عبد اللَّه بن وهب الراسبي، فحمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال: ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، و ينيبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا التي [الرضا بها و الركون بها و الإيثار إياها عناء و تبار] [٤] آثر عنده من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و القول بالحق، فاخرجوا بنا إلى إخواننا من بين أهل هذه القرية الظالم أهلها إلى جانب هذا السواد، و إلى بعض كور الجبال أو إلى بعض هذه المدائن منكرين لهذه البدع المضلة، و الأحكام الجائرة.
فقال حرقوص بن زهير: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، و إن الفراق لها وشيك، فلا تدعونكم زينتها و بهجتها إلى المقام بها، و لا تلفتنكم عن طلب الحق و إنكار الظلم، فإن اللَّه مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون.
فقال حمزة بن سنان الأسدي: يا قوم، إن الرأي ما رأيتم، و إن الحق ما ذكرتم، فولّوا أمركم هذا رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من عماد و سناد و راية تحفون بها، و ترجعون إليها.
[١] سورة: النحل، الآية: ٩١.
[٢] سورة: الزمر، الآية: ٦٥.
[٣] سورة: الروم، الآية: ٦٠.
[٤] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصول، و أوردناه من الطبري ٥/ ٧٤.