المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٢٦ - و في هذه السنة كان اجتماع الحكمين
قالوا: حكومتك يوم صفين، قال: أنشدكم باللَّه، أ تعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف فقلتم نجيبهم إلى كتاب اللَّه قلت لكم إني أعلم بالقوم منكم، إنهم ليسوا بأصحاب دين و لا قرآن، إني عرفتهم أطفالا و رجالا، فكانوا شر أطفال و شر رجال، امضوا على حقكم، فإنما رفعهم المصاحف خديعة، فرددتم عليّ رأيي و قلتم: لا بل نقبل منهم، فلما أبيتم إلا الكتاب [١] اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، و أن يميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالف حكم من حكم بما في القرآن، و إن أبيا فنحن من حكمهما برآء. قالوا له: فخبرنا، أ تراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء؟ فقال: إنا لسنا حكمنا الرجال، إنما حكمنا القرآن، و هذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين، لا ينطق، إنما يتكلم به الرجال، ادخلوا مصركم، فدخلوا من عند آخرهم.
و قال الخوارج منهم: كان الأمر كما وصفت، و لكن كان ذلك كفرا منا، فقد تبنا إلى اللَّه منه، فتب كما تبنا نبايعك، و إلا فنحن مخالفون. فانصرف عليّ بأصحابه، فقال قوم: إنه أقر لهم بالخطإ، فصعد المنبر فذكر أمرهم فعابه، فوثبوا من نواحي المسجد يقولون: لا حكم إلا للَّه، فقال عليّ: كلمة حق أريد بها باطل.
و في هذه السنة كان اجتماع الحكمين [٢]
فبعث عليّ رضي اللَّه عنه أربعمائة رجل عليهم شريح بن هانئ الحارثي، و فيهم أبو موسى [الأشعري] [٣]، و بعث معهم عبد اللَّه بن عباس يصلي و يلي أمورهم، و لم يحضر علي و بعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام، ثم جاء معاوية، و اجتمعوا بأذرح، و شهد معهم عبد اللَّه بن عمر، و عبد اللَّه بن الزبير، ٥٠/ أ و المغيرة بن شعبة في جماعة كثيرة./ و خرج عمرو بن سعد بن أبي وقاص، فأتى أباه و هو بالبادية، فقال: يا أبت، قد بلغك ما كان بين الناس بصفين، و قد حكموا و قد
[١] في الأصل: «إلا القتال».
[٢] تاريخ الطبري ٥/ ٦٧.
[٣] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.