المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٢٥ - ذكر خروج الخوارج على أمير المؤمنين رضي اللَّه عنه
واحدة، قالوا: و إنه قاتل و لم يسب و لم يغنم، فلئن كانوا مؤمنين ما حل لنا قتالهم و سبيهم. قالوا: و محى نفسه من أمير المؤمنين، فإذا لم يكن أمير المؤمنين فإنه أمير الكافرين.
فقلت لهم: أما قولكم: حكم الرجال في أمر اللَّه، أنا أقرأ عليكم في كتاب اللَّه ما ينقض قولكم، إن اللَّه صير من حكمه إلى الرجال في ربع درهم ثمن أرنب، و تلى قوله تعالى: لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ ... [١] الآية. و في المرأة و زوجها: وَ إِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها [٢]. فنشدتكم اللَّه، هل تعلمون حكم الرجال في إصلاح ذات بينهم، و حقن دمائهم أفضل من حكمهم في أرنب و بضع امرأة، فأيهما ترون أفضل؟ قالوا: بل هذه، قلت: خرجت من هذه؟ قالوا: نعم.
قلت: و أما قولكم: قاتل و لم يسب و لم يغنم، فتسبون أمكم عائشة، فو اللَّه إن قلتم ليست بأمنا لقد خرجتم من الإسلام، و إن قلتم لنسبينها و نستحل منها ما نستحل من غيرها خرجتم من الإسلام، أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم.
قلت: و أما قولكم: محى نفسه من أمير المؤمنين، فإن النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم يوم الحديبيّة كاتب أبا سفيان بن حرب و سهيل بن عمرو، فقال: يا علي اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول اللَّه، فقالوا: ما نعلم أنك رسول اللَّه/، و لو نعلم ما قاتلناك، فقال: امح يا ٤٩/ ب عليّ و اكتب: هذا ما كاتب عليه محمد بن عبد اللَّه، فو اللَّه لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم خير من علي و قد محى نفسه.
فرجع منهم ألفان، و خرج سائرهم فتقاتلوا [٣].
قال علماء السير [٤]: و جاء علي بن أبي طالب [رضي اللَّه عنه إلى القوم] [٥] و ابن عباس يكلمهم، فقال لهم: من زعيمكم؟ قالوا: ابن الكواء، قال: فما أخرجكم علينا؟
[١] سورة: المائدة، الآية: ٩٥.
[٢] سورة: النساء، الآية: ٣٥.
[٣] في الأصل: «و خرج منهم ألفان فقتلوا».
[٤] تاريخ الطبري ٥/ ٦٥.
[٥] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.