المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٨١ - ٣٢٠- أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط
أخبرنا إبراهيم الحربي، قال: حدّثنا محمد بن صالح، عن محمد بن عمر، عن ربيعة بن عثمان و قدامة، قالا: لا نعلم قرشية خرجت من بين أبويها مسلمة مهاجرة إلا أم كلثوم.
قالت: كنت أخرج إلى بادية لنا فيها أهلي فأقيم بها الثلاث و الأربع، و هي ناحية التنعيم، ثم أرجع إلى أهلي فلا ينكرون ذهابي البادية، حتى أجمعت المسير، فخرجت يوما من مكة كأني أريد البادية، فلما رجع من تبعني إذا رجل من خزاعة [قال: أين تريدين؟ قلت: و ما مسألتك و من أنت؟ قال رجل من خزاعة] [١] اطمأننت إليه لدخول خزاعة في عهد رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم و عقده- فقلت: إني امرأة من قريش، و إني أريد اللحوق برسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم/، و لا علم لي بالطريق، فقال: أنا صاحبك حتى أوردك المدينة، ثم ٧٤/ أ جاءني ببعير فركبته فكان يقود بي البعير، و لا و اللَّه ما يكلمني بكلمة حتى إذا أناخ البعير تنحى عني، فإذا نزلت جاء إلى البعير فقيده بالشجر، و تنحى إلى فيء شجرة حتى إذا كان الرواح خدج البعير فقربه و ولى عني، فإذا ركبت أخذ برأسه فلم يلتفت وراءه حتى أنزل، فلم يزل كذلك حتى قدمنا المدينة، فجزاه اللَّه من صاحب خيرا، فدخلت على أم سلمة و أنا متنقبة، فما عرفتني حتى كشفت النقاب فالتزمتني و قالت: هاجرت إلى اللَّه و إلى رسوله؟ قلت: نعم، و أنا أخاف أن يردني كما رد أبا جندل و أبا بصير، و حال الرجال ليس كحال النساء، و القوم مصبحي قد طالت غيبتي عنهم اليوم خمسة أيام منذ فارقتهم، و هم يتحينون قدر ما كنت أغيب ثم يطلبوني فإن لم يجدوني رحلوا. فدخل رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم على أم سلمة، فأخبرته خبر أم كلثوم، فرحب بها و سهل، فقلت: إني فررت إليك بديني فامنعني و لا تردني إليهم يفتنوني و يعذبوني و لا صبر لي على العذاب، إنما أنا امرأة و ضعف النساء على ما تعرف، و قد رأيتك رددت رجلين حتى امتنع أحدهما، فقال: «إن اللَّه عز و جل نقض العهد في النساء» و حكم في ذلك بحكم رضوه كلهم و كان يرد النساء، فقدم أخواها الوليد و عمارة من الغد، فقالا: أوف لنا بشرطنا و ما عاهدتنا عليه، فقال: «قد نقض اللَّه ذلك» فانصرفا.
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.