المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٥٩ - ٣٦٧- جبلة بن الأيهم
و سعى علينا من كل حار و بارد في صحاف من ذهب و فضة، و دارت علينا الخمر فاستعفيت منها، ثم أتي بطست من ذهب و إبريق من ذهب. ثم أومأ إلى وصيف له فما كان إلا هنيهة حتى أقبلت عشر جوار، فقعد خمس عن يمينه و خمس عن يساره/ على ١٠٤/ ب كراسي العاج، و إذا عشر أخر أحسن من الأول، فقعد خمس عن يمينه و خمس عن يساره، ثم أقبلت جارية [من أحسن ما تكون من الجواري] بطائر أبيض، و في يدها اليمنى جام من ذهب فيه مسك و عنبر سحيقان، و في يدها اليسرى جام من فضة فيه [ماء ورد] ما لم أشم مثله، فنقرت الطائر فوقع في الجام فتقلب فيه ثم في الجام الآخر فتقلب فيه، ثم سقط على صليب في تاج جبلة، ثم حرك جناحيه فنثر ذلك على رأس جبلة و لحيته، ثم شرب جبلة خمرا ثم استهل و استبشر، ثم قال للجواري: أطربنني، فخفقن بعيدانهن، فاندفعن يغنّين:
للَّه در عصابة نادمتهم * * * يوما بجلق في الزمان الأول
أولاد جفنة عند قبر أبيهم * * * قبر ابن مارية الكريم المفضل
بيض الوجوه كريمة أحسابهم * * * شم الأنوف من الطراز الأول
يغشون حتى ما تهر كلابهم * * * لا يسألون عن السواد المقبل
فطرب، ثم قال: هل تعرف لمن هذا الشعر؟ قلت: لا، قال: قاله حسان بن ثابت، قال: هو حي؟ قلت: نعم، أما إنه ضرير كبير.
ثم قال: أطربنني، فغنين:
لمن الدار أقفرت بمغان * * * بين قرع اليرموك و الضّمان [١]
ذاك مغن لآل جفنة في الدهر * * * محاه تعاقب الأزمان
فقال: أ تعرف قائل هذا، ذاك حسان. ثم سكت طويلا ثم قال: ابكينني. فوضعن عيدانهن و نكسن رءوسهن و قلن:
تنصرت الأشراف من عار لطمة * * * و ما كان فيها لو صبرت على ضرر
تكنفني فيها لجاج و نخوة * * * [و بعت بها العين الصحيحة بالعور] [٢]
[١] في رواية: «بين أعلى اليرموك فالخمّان».
[٢] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.