المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٨ - ٢٦١-/ صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو سفيان
ألتمس حطابا أو إنسانا أبعثه إلى قريش، فو اللَّه إني لفي الأراك إذا أنا بأبي سفيان بن حرب، فقلت: يا أبا حنظلة، قال: لبيك أبا الفضل، و عرف صوتي، فقال: ما لك فداك أبي و أمي، قلت: ويلك هذا رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم في عشرة آلاف، فقال: بأبي و أمي ما تأمرني، هل من حيلة؟ قلت: نعم، تركب عجز هذه البغلة فأذهب بك إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم فإنه إن ظفر بك دونه قتلت، قال: و أنا و اللَّه أرى ذلك. ثم ركب خلفي و توجهت به إلى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم، فرآه عمر بن الخطاب فعرفه و أراد قتله و قال: يا رسول اللَّه، هذا أبو سفيان آخذ بلا عهد و لا عقد، قال: فقلت: إني قد أجرته، و جرى بين العباس و عمر ٨/ ب في ذلك الكلام، فقال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «ويحك يا أبا سفيان، أ لم يأن لك أن/ تعلم أن لا إله إلا اللَّه» قال: بأبي أنت و أمي ما أحلمك و أكرمك و أعظم عفوك، قد كان يقع في نفسي أنه لو كان مع اللَّه إله لقد أغنى عني شيئا، قال: «يا أبا سفيان، أ لم يأن لك أن تعلم أني رسول اللَّه؟» قال: بأبي أنت و أمي ما أحلمك و أكرمك و أعظم عفوك، أما هذا فو اللَّه إن في نفسي منها أشياء بعد، فقال العباس: ويحك اشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه قبل أن تقتل. قال: فشهد شهادة الحق و قال: اشهد أن لا إله إلا اللَّه و أشهد أن محمدا عبده و رسوله [١]. فقال العباس: يا نبي اللَّه إنك قد عرفت أبا سفيان و حبه للشرف و الفخر فاجعل له شيئا، قال: «نعم، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، و من أغلق داره فهو آمن».
قال محمد بن سعد: و أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي، قال: حدّثنا جعفر بن سليمان، قال: حدّثنا ثابت البناني، قال:
إنما قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، لأن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه و سلّم كان إذا أوذي و هو بمكة فدخل دار أبي سفيان أمن، فقال النبي صلّى اللَّه عليه و سلّم يوم فتح مكة: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن».
قال ابن سعد: و أخبرنا محمد بن عبيد، قال: أخبرنا إسماعيل بن [أبي] خالد، عن أبي إسحاق السبيعي: ان أبا سفيان بن حرب بعد فتح مكة كان جالسا، فقال في نفسه: لو جمعت
[١] في الأصل: «و أن محمدا لرسوله».