المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٨٩ - أمر القتال
الضجة فهم المهزومون. فما فجئها إلا الهزيمة، فمضى الزبير في وجهه، فسلك وادي السباع، و جاء طلحة سهم غرب [١] يخلّ ركبته بصفحة الفرس، فلما امتلأ موزجه دما و ثقل قال لغلامه: ابغني مكانا أنزل فيه، و تمثل بهذا يقول:
ندمت ندامة الكسعيّ لمّا * * * شربت رضا بني سهم برغمي
أطعتهم بفرقة آل لأي * * * فألقوا للسّباع دمي و لحمي
و اقتتل الناس [٢] و أقبلوا في هزيمتهم يريدون البصرة، فلما رأوا الجمل طافت به مضر، فقالت عائشة: خل يا كعب عن البعير و تقدم بكتاب اللَّه عز و جل فادعهم إليه، و دفعت إليه مصحفا. و أقبل القوم و أمامهم السبئية يخافون أن يجري الصلح، فاستقبلهم كعب بالمصحف، فرشقوه رشقا واحدا، فقتلوه، ثم رموا أم المؤمنين في هودجها، فجعلت تنادي: يا بنيّ البقية البقية- و يعلو صوتها- اذكروا اللَّه و الحساب، و يأبون إلا إقداما، فقالت: أيها الناس العنوا قتلة عثمان و أشياعهم، فضجوا بالدعاء،
فسمع علي، فقال: ما هذه الضجة؟
قالوا: عائشة تدعو و يدعون معها على قتلة عثمان و أشياعهم، فأقبل يدعو و يقول: اللَّهمّ العن قتلة عثمان و أشياعهم. و أرسلت إلى عبد الرحمن بن عتاب و عبد الرحمن بن الحارث: أثبتا مكانكما، فاجتلدوا قدام الجمل، و المجنبتان على حالهما.
و كان القتال الأول [٣] يتسحر إلى انتصاف النهار، و أصيب فيه طلحة رضي اللَّه عنه، و ذهب فيه الزبير، فلما أووا إلى عائشة و أبى أهل الكوفة إلا القتال، و لم يريدوا إلا عائشة، اقتتلوا حتى تحاجزوا بعد الظهر، و ذلك يوم الخميس في جمادى الآخرة، فاقتتلوا صدر النهار/ مع طلحة و الزبير، و في وسطه مع عائشة، و تزاحف الناس، ٣٤/ أ فهزمت يمن البصرة يمن الكوفة، و ربيعة البصرة ربيعة الكوفة، و نهد عليّ بمضر الكوفة إلى مضر البصرة.
و اقتتلت [٤] المجنبتان حين تزاحفتا قتالا يشبه ما فيه القلبان، و أقبل أهل اليمن
[١] سهم غرب: لا يدرى راميه.
[٢] تاريخ الطبري ٤/ ٥١٣.
[٣] تاريخ الطبري ٤/ ٥١٤.
[٤] تاريخ الطبري ٤/ ٥١٥.