نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٥ - الكل يتنعم بهذه المائدة عدواً كان أم صديقاً
«وَالنَّخلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيْدٌ» [١] «رِزْقاً لِلْعِبادِ».
وفي الواقع فقد استند في هذه الأية إلى الثمار والمحاصيل الغذائية لأنّها تمثلُ أهمَ وأَصلح جانبٍ من المواد الغذائية للناس، واستند إلى التمر بالخصوص من بين الثمار، بسبب أهميّته الغذائية الفائقة، حيث بحثناه بالتفصيل في محلِّه [٢].
والجدير بالذكر: إنَّ بعض المفسِّرين يعتقد أنَّ استناد القرآن إلى هذه الأنواع الثلاثة من الأرزاق جاء بسبب خصائص كلٍّ منها على حدة، لأنَّ بعض النباتات يُثمرُ سنوياً، دون الحاجة إلى بذر البذور، كانواع أشجار الفاكهة، وبعضها يحتاج إلى بذر البذور سنوياً كالحنطة والشعير والرز والذرة وبعضها وسطاً بينهما كالنخيل الذي يكون أصلهُ ثابتاً إلّاأنّه يحتاج في كلِّ عامٍ إلى «التلقيح»، بالنحو الذي يرفعون طلع الذكر وينثرونه على ثمار النخلةِ كي تحمل بشكلٍ كامل، ومن الممكن أن تلقح بطريقة اخرى (عن طريق الرياح والحشرات) إلّا أنّها لن تكون غزيرة الثمار.
وهذه النكتة جديرة بالاهتمام أيضاً حيث إنّ في تعبير «رزقاً للعباد»، [٣] إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة وهي وجوب استثمار النعم الإلهيّة لسلوك طريق عبوديةِ اللَّهِ، وهذه الموجودات مذعنةٌ ومطيعةٌ للإنسان كي ينال الرزق ولا يأكلُه غافلًا عن اللَّه، كما قالالحكماء:
أنت تعيش لتأكل وأنا آكل لأعيش وأذكر اللَّه.
[١] «حصيد» تعني المحصود (أو الجاهز للحصاد)، و «باسقات» جمع «باسقة» وتعني الطويلة و «طلع» تعني ثمرة النخيل في بداية تكوينها، و «نضيد» تعني المتراكم والكثيف الذي يبعث على التعجب لا سيما في ثمار النخيل أي التمر.
[٢] يُراجع التفسير الأمثل، ذيل الآية ٢٥ من سورة مريم.
[٣] إنَّ نصبَ «رزقاً» جاء لكونه «مفعولًا لاجله»، ويُستبعدُ احتمال كونه «مفعولًا مطلقاً» أو «حالًا».