نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٠ - الروح اعجوبة عالم الخلقة
ذلك اللَّه الذي خلق الخلق ونظم القوى الروحية للإنسان إبتداءً من الحواس الظاهرية وهي مقدمة الإدراكات الروحية وانتهاءً بقوة التفكير، الحافظة، التخيل، الإدراك، الابتكار، الإرادة والتصميم: «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا».
وعلّمهُ طرق الهداية بعد تنظيم هذه القوى: «فَأَلْهَمَهَا فُجُوْرَهَا وَتَقْوَاهَا».
مع أنّ القوى الروحية للإنسان متنوعة وكثيرة جدّاً، ولكن القرآن هنا وضع إصبعه من بين كل تلك القوى على مسألة «إلهام الفجور والتقوى» (إدراك الحسن والقبح)، لأنّ هذه المسألة لها تأثير كبير جدّاً في مصير الإنسان وسعادته وشقائه.
قلنا مراراً: إنّ القَسَمَ يدلّ على الأهميّة والعظمة، أهميّة المُقْسَمِ به والمُقَسَمِ له، خاصة القَسَمُ القرآني لحمل الناس على المزيد من التفكّر في آيات «العظمة» الإلهيّة.
فضلًا عن أنّ «النفس» في هذه الآية ذكرت بصيغة النكرة، وهي في مثل هذه الموارد من أجل التأكيد على أهمية الموضوع أو كثرته [١].
تشير الآية الثانية إلى السؤال الذى طرح من قبل جماعة من المشركين أو أهل الكتاب، حيث وفدوا على الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله وسألوه عدة أسئلة كان أحدها عن الروح كما قال القرآن: «وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوْحِ».
ثم يأمر القرآن الرسول الأكرم صلى الله عليه و آله: «قُلِ الرُّوْحُ مِنْ أَمْرِ رَبّى».
إنّ في هذا الجواب غير المستبين إشارة عميقة إلى مدى غموض ومجهولية هذه الظاهرة الكبيرة في عالم الوجود، ومن أجل أن لا يَقول أحد لماذا لم تظهر واحدة من أسرار الروح؟
يضيف اللَّه في آخر الآية: «وَما أُوتِيْتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيْلًا».
[١] تفسير روح البيان، ج ١٠- ص ٤٤٢؛ و تفسير روح المعاني، ج ٣٠- ص ١٤٢، وقد احتمل بعض المفسرين أن تكون «النفس» في الآية أعلاه إشارة إلى الروح والجسم كليهما، مع أنّ عبارة: «فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا» تناسب الروح أكثر، وكذلك الآية: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ...».