نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٣ - هل للمجتمع روحٌ؟
وهنا بحوث كثيرة لو أردنا الولوج فيها سنخرج من اطار البحث التفسيري ولكن يبدو من الضروري التذكير ببعض الامور:
١- ما هو منشأ رغبة الإنسان للحياة الاجتماعية؟- هنالك آراء مختلفة، ويبدو أكثرها صواباً هو أنّه مزيجٌ من الحوافز «الغريزية» و «العاطفية» و «الفكرية» فالعقلُ يقول إنّ التكاملَ ممكنٌ في ظل الحياة الاجتماعية فقط سواء كان معنوياً أو عادياً، لأنَّه من البديهي إذا أراد فردٌ أو اسرةٌ أن تعيش بمعزل عن الآخرين، فلا وجود لهذه العلوم والمعارف ولا هذه الصناعات والاختراعات والابداعات، فلا شك أنّها حصلت من خلال استثمار تكدُس الطاقات الفكرية والجسمية، ونقل كلُ جيلٍ تجاربه إلى الأجيال الاخرى، واثمرت هذه الظواهر الجبارة من خلال تجمعها وتظافرها.
ومن ناحيةٍ اخرى فانَّ الإنسان يميل إلى هذه الحياة من خلال حافزٍ ذاتيٍ وعاطفي، فهو يضجر من العزلة، ويشعر باللذة من خلال حديثه وجلوسه وقيامه مع رفاقهِ، وسجنُ الوحدة يمثل أقسى عذابٍ بالنسبة له، وقد اثبتت تجارب العلماء أنَّ العزلة لو استمرت فستؤدّي إلى اضطرابات نفسية على مدى فترةٍ قصيرة، وبغض النظر عن منافع التعايش الجماعي فإنّ هذا يُؤكد على أنَّ الإنسان يرغبُ بطبعهِ في هذا التعايش.
٢- لقد اعتبر الإسلام الحياةَ الاجتماعيةَ للبشر من أهم مبادئه، ولم يهتم بها في العلاقات السياسية والاقتصادية فقط بل حتى في مسألة العبادات التي تعتبر علاقة بين الخلق والخالق، فاعطى للعبادات الجماعية (صلاة الجماعة) وصلاة الجمعة ومناسك الحج، أهميّةً لا مثيل لها.
فماهية الصلاة، والاذان والاقامة تُحفزُ الجميع لصلاة الجماعة، ويبرهن ضميرُ الجمع الوارد في سورة الفاتحة، والسلام الذي في خاتمة الصلاة، على أنّ الصلاة ذات صفةٍ اجتماعية واداؤها فرادى يُعد صيغة فرعية.
وقد اعطيت الحياة الاجتماعية اهميةً بالغةً في الإسلام بحيث اعتُبرَ كلُ ما يؤدّي إلى الاختلاف والتفرقة (كالحسد، قول الزور، والغيبة، والنفاق و ...) من الذنوب الكبيرة، وكلُ