نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٣ - الدور الحساس لآلات المعرفة
ويقول في الآية الرابعة ضمن إشارته إلى جانب من نِعَمِ اللَّهِ على الإنسان لتحريك الاحساس بالشكر الذي هو مقدمة ل «معرفة اللَّه»: «أَلَمْ نَجْعَلْ لَّهُ عَيْنَيْنِ».
العينان اللتان يتمكن من خلالهما أنْ يرى عالم الوجود، وأن يشاهد عجائب الخلق، وأن ينظر إلى الشمس والقمر والنجوم وأنواع النباتات وأنواع الموجودات الحيّة والحيوانات، وأنْ يتفرجَ على عجائب صُنعِ اللَّه، وأن يُميزَ الخير من الشر، ويُشَخصَ الصديقَ من العدو، وأن ينقذَ نفسَهُ من مخالب الحوادث.
ثم يضيف «وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ».
اللسان الذي يُمثلُ وسيلةَ اتصالهِ بالآخرين، اللسان الذي يعتبرُ عاملًا في نقل العلوم والمعارف من جيل إلى آخر ومن قومٍ إلى آخرين، اللسان الذي يردد ما يحتاجه، وبه يدعو ويتوسل إلى المعبود جلَّ وعلا، وهو الذي ينطق عن جميع ذرات وجوده.
وكذلك الشفاه التي تلعبُ دوراً مهماً في النطق، وتتحمَّلُ مسؤولية تلفظ كثير من مخارج الحروف [١] بالاضافة إلى مساعدتها في شرب الماء واكل الطعام وهضمه والحفاظ على سوائل الفم، بنحوٍ لو جُدعَ جانبٌ من الشفة فلن تصبح هذه الامور صعبةً بالنسبة للإنسان فحسب، بل وسيكون منظرهُ وصورته باعثاً على الحسرة.
واللطيف أنّ القرآن يتحدث بعد هاتين الآيتين عن هداية الإنسان إلى الخير و (الشر)، قائلًا: «وَهَدَيْناهُ النَّجدَيْنِ».
إنَّ هذا التعبير البليغ يشيرُ إلى علاقة العين واللسان والشفاه بمسألة الهداية ومعرفة الخير والشر، لأنّها تُعتبر آلاتٍ لهذا الهدف العظيم.
وفي الآية الخامسة يُلفتُ الانتباه إلى الحالة التي تحصل لدى الإنسان بسبب فقدانهِ
[١] وهذه أربعة حروف بالعربية (ب- ف- م- و) وهي (حروف شفهية) بكثرة وفقدان الشفة يؤدّي إلى أن يفقدالمرء قدرة التكلم إلى حدٍ ما.