نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٧ - الورق الأخضر للأشجار
تستمر يوماً واحداً، فضلًا عن ابتعادها عن متناول يد الإنسان، في حين أنَّ طفلًا صغيراً باستطاعته اقتطاف جميع الثمار في بساتين العنب.
ثم يضيف مستنداً إلى أربعة أنواعٍ من الثمار والزرع: «وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً اكُلُهُ والزَّيْتُوْنَ وَالرُّمَانَ مُتَشابهاً»، لابدّ من الانتباه إلى أنّ «جنات» جمع «جنّة» تُطلقُ على البستان، وعلى الأراضي التي يغطيها الزرع، و «اكُل» على وزن (دُهُل) من مادة «أَكْل» على وزن (مَكْر) وتُطلق على جميع المأكولات.
على أيّة حالٍ، فالأشجار والزروع والنباتات لا تختلف كثيراً من ناحية الظاهر فقط، بل إنّ ثمارها ومحاصيلها تتفاوت للغاية أيضاً، من حيث اللون والطَعَم والشكل الظاهري، وكذلك من حيث ما فيها من مواد غذائية وخصائص متنوعة، اضافة إلى أنَّ منها المرغوب والمتوسط، وهذا بيان لقدرة الخالق جلَّ وعلا الذي أوجَدَ مثل هذا التنوع العظيم الواسع في عالم النباتات، وكلُّ نوعٍ يُسَبِّح بحمده وثنائه.
وفي نهاية الآية يُصدرُ أَوامره: «كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وآتُوا حَقَّه يَومَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَايُحِبُّ المُسرِفِيْنَ».
وعليه فانَّ الأمرَ ب «كُلوا» دليل على حليّتها الكاملة ولكن بشرطين: الايفاء بحقوق المحتاجين، وعدم الاسراف.
وبالرغم من أنَّ بعض المفسرين قالوا إنَّ المقصود ب «حقّ» هنا هو الزكاة، إلّاأنَّ أغلبَ المفسرين واستلهاماً من الروايات الواردة عن طريق أهل البيت عليهم السلام وأهل السُّنة، صرَّحوا بأنَّ المقصود بهذا الحق ليس الزكاة [١].
بناءً على ذلك لابدّ أن يُخصصَ أصحابُ المزارع والبساتين نصيباً للمحتاجين أثناء قطف الثمار، وحصاد المحاصيل كحكمٍ إلهيٍّ، وهذا النصيب ليس له حدٌ معينٌ في الشرع، بل يتعلق بهمّةِ المالكين. وعليه فإنّ ذيل الآية تتحدث عن حكمٍ أخلاقي وصدرها يشتمل على دورس توحيدية.
[١] يُراجع سنن البيهقي، ج ٤، ص ١٣٢؛ ووسائل الشيعة، ج ٦ كتاب الزكاة «أبواب زكاة الغلات»؛ وتفسير الميزان؛؛ و تفسير القرطبي فيما يخص الآية.