نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٨ - هل إنَّ الظِّلَّ نعمةٌ عظيمة؟
ويقول في الآية الثانية التي تمَّ بيانها ضمن آيات التوحيد في سورة النحل، بعد تعداد بعض آيات الآفاق ونِعَمِ الخالق جلَّ وعلا: «وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَق ظِلَالًا».
قال بعض المفسّرى: إنَّ المقصود هنا الأشياء التي تتسبب في ايجاد الظّلال، كالجبال والأشجار، والغيوم، والسقوف والجدران [١].
وممّا لا شكَّ فيه لو كانت جميع الاشياء- كما المحنا سابقاً- شفافةً ومضيئة كالبلور، ولا وجود للظلِّ في العالم لكانت الحياة غير ممكنة بالنسبة للإنسان.
ويشير سياق الآية إلى سائر النِّعم التي هي في الواقع مكملةً لوجود الظلِّ، كالملاجىء المستحدثة في الجبال على هيئةِ مغاراتٍ وكهوف، والتي تقي الإنسان من حرارةِ الشمس المحرقة، كالدرع حينَ يَصُدُّ طعنات العدو في ساحة الحرب: «وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الجِبَالِ أَكنَاناً وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابيْلَ تَقِيْكُمْ بَأسَكُمْ» [٢].
وهنا لماذا أشار في الآية الآنفة إلى اللباس كوقاءٍ للحفظ من الحَرِّ فقط، من دون الإشارة إلى البرد؟ يقول بعض المفسِّرين: لأنَّ المناطق التي نزلت فيها هذه الآيات، المتداول فيها مسألة الحر بكثرة، أو لكثرة وزياده اخطار الحرارة والاحتراق عند مواجهة الشمس، في حين تتزايد طرق وقاية الإنسان لمواجهة البرد.
ولكن لا يجب نسيان أنّ في آداب العرب حينما يريدون التلميح إلى ضدّين فهم يحذفون أحدَهُما في أغلب الموارد ويذكرون واحداً فقط، وهذا الأثر له قرائن كثيرة.
والجدير بالاهتمام أنّه يقول في نهاية هذه الآية بعد ذكر هذه النِّعم الثلاث (الظلال، والمساكن، والملابس): «كَذلِكَ يُتِمٌّ نِعْمَتَهُ عَلَيِكُم لَعَلَكُمْ تُسْلِمُونَ».
نعم .. فالتأمل بهذه النِّعَمِ وأسرارها المختلفة يعرِّفُ الإنسان بعلمِ وقدرة اللَّه تعالى من ناحيةٍ، ومن ناحيةٍ اخرى يدفعُ إلى التسليم إلى أوامر الخالق جلَّ وعلا ذي اللطف والرحمة، من خلال تحريك الشعور بالشُّكر له.
[١] تفسير روح المعاني، ج ١٤، ص ١٨٦؛ و تفسير القرطبي، ج ٦، ص ٣٧٧٥.
[٢] «سرابيل» جمع «سربال» (على وزن مثقال) وقد فسَّرها البعض بكل أنواع الملابس، واعتبرها البعض بمعنى الرداء (حيث يرتدون الدرع كالرداء) إلّاأنّ المعنى الأول اكثرُ تناسباً هنا.