نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٥٩ - تفاوت كيفية القضاء في الإسلام عن المدارس المادّية
فالإسلام يمنع القاضي حتى من قبول الهدية (بطبيعة الحال الهدايا التي تقدم له باعتبار أنّه في مقام القضاء، سواء قبل الحكومة والقضاء أم بعده) وقصّة الأشعث بن قيس معروفة، حيث جاء ليلًا بهدية إلى دار الإمام عليّ عليه السلام وهي طبق من الحلوى اللذيذة، فقال له الإمام عليّ عليه السلام ما هذا؟
فقال: هدية جئت بها إليك! فغضب الإمام عليه السلام وصاح به:
«هَبَلَتْكَ الْهَبُول أَعَنْ دِيْنِ اللَّهِ أَتَيْتَني لِتَخْدَعَني»؟!
أي تريد أن تعطيني الرشوة باسم الهدية [١].
والملفت للنظر هو أنّ الإسلام يلعن الراشي والمرتشي والواسطة بينهما، وقد ورد في حديث عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله: «لَعَنَ اللَّه الرّاشِي والْمُرْتَشي وَالرّائشَ الَّذي بَيْنَهُما» [٢].
وقد وردت آيات من القرآن الكريم وبشكل مكرر تشير إلى مسألة الرشوة وتذمها، منها قوله تعالى:
«وَلَا تأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وتُدْلُوا بِهَا الَى الْحُكَّامِ لَتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ امْوال النَّاسِ بِالأِثْمِ وَانْتُمْ تَعْلَمُونَ». (البقرة/ ١٨٨)
وللفخر الرازي هنا تعبير جميل وهو أنّ «الادلاء» مأخوذ من «الدلو» وهو الإناء الذي يستخرج الماء من البئر بواسطته، «والرشاء» بمعنى «الحبل» فكما أنّ الإنسان يستخرج الماء الموجود في الدلو بالحبل، فكذلك الراشي يأكل أموال الناس بواسطة الرشوة التي يعطيها للقاضي.
نعم، فالتعبير ب «ولا تدلوا بها إلى الحكّام» تشبيه وإشارة لطيفة لهذا الموضوع.
ويستفاد أيضاً من سورة المائدة بأنّ علماء اليهود حرّفوا الأحكام الإلهيّة لمنافعهم الخاصة، وقد ذمّ القرآن الكريم هذه الظاهرة، فقد قال تعالى:
«وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتى ثَمَناً قَلِيلًا وَمَن لَّم يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَاولِئكَ هُمُ الْكافِرُونَ».
(المائدة/ ٤٤)
[١] نهج البلاغة، الخطبة ٢٤٤.
[٢] ميزان الحكمة، ج ٤، ص ١٣٥.