ابن تيمية فكراً ومنهجاً - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥٥٨ - خروجه عن حدود أدب المناظرة والنقد البنّاء
الدولة الإسلامية، وسيلان الدماء في عاصمتها، فما هو السبب للدماء التي بدأت تسيل من أقصى المشرق الإسلامي إلى العاصمة بغداد؟ فها هو ابن الأثير (المتوفّى عام ٦٣٠هـ) وقبل سقوط الخلافة الإسلامية بخمس وعشرين سنة، يصف تلك الداهية العظمى بالنحو التالي:
من الّذي يسهل عليه أن يكتب نعيَ الإسلام والمسلمين، ومن ذا الّذي يهون عليه ذكر ذلك؟ فيا ليت أُمّي لم تلدني، ويا ليتني متُّ قبل حدوثها وكنت نسياً منسياً، إلاّ أنّي حثّني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف ثم رأيت أن ترك ذلك لا يُجدي نفعاً، فنقول:
هذا الفصل يتضمّن ذكر الحادثة العظمى والمصيبة الكبرى الّتي عقمت الأيام والليالي عن مثلها، عمت الخلائق وخصّت المسلمين، فلو قال القائل: إنّ العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن لم يبتل بمثلها لكان صادقاً، فإنّ التاريخ لم يتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها... إلى أن قال: هؤلاء لم يُبقوا أحداً، بل قتلوا النساء والرجال والأطفال، وشقّوا بطون الحوامل وقتلوا الأجنّة، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون. فإنّ قوماً خرجوا من أطراف الصين فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاسغون، ثمّ منها إلى بلاد ماوراء النهر مثل سمرقند وبُخارى وغيرها، فيملكونها ويفعلون بأهلها ما نذكره، ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان فيفرغون منها مُلكاً وتخريباً وقتلاً، ثمّ يتجاوزونها إلى الريّ وهَمَدان وبلاد الجبل وما فيها من البلاد إلى حدّ العراق، ثمّ يقصدون بلاد آذربيجان وأرانية ويخربون ويقتلون أكثر أهلها ولم ينج إلاّ الشريد النادر في أقل من سنة، هذا ما لم يسمع بمثله.[١]
[١] الكامل في التاريخ:١٢/٣٥٨ـ٣٥٩. ولكلامه ذيل من أراده فليرجع إليه .