ابن تيمية فكراً ومنهجاً - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٦٤ - ٣ الجهة والمكان لله سبحانه عند ابن تيمية
ثمّ إنّ الرجل لمّا وقف على كلام الإمام علي(عليه السلام) في شأنه سبحانه مع المخلوقات، حاول أن يردّ عليه دون أن يذكر اسمه، يقول مخاطباً خصمه: فأنت تقول: إنّه موجود قائم بنفسه وليس بداخل في العالم ولا خارج عنه ولا مباين له ولا محايث(مجانب) له، وأنّه لا يقرب منه شيء ولا يبعد منه شيء، وأمثال ذلك من النفي الذي لو عُرض على الفطرة السليمة جزمت جزماً قاطعاً أنّ هذا باطل وأنّ وجود مثل هذا ممتنع، وكان جزمها ببطلان هذا أقوى من جزمها ببطلان كونه فوق العالم وليس بجسم.[١]
ويقول في موضع آخر: وأمّا الأحكام الكلّية فهي عقلية، فحكم الفطرة بأنّ كل موجودين إمّا متحايثان (متجانبان) وإمّا متباينان، وبأنّ ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه لا يكون إلاّ معدوماً. وأنّه يمتنع وجود ما هو كذلك.[٢]
يلاحظ عليه أوّلاً: أنّ قوله: «بأنّ جزم الفطرة ببطلان القول بأنّه سبحانه ليس بداخل في العالم ولا خارج عنه، أقوى من جزمها ببطلان كونه فوق العالم وليس بجسم» يدلّ على أنّ كلا القولين عنده باطل، ولكن الأوّل أظهر بطلاناً من الثاني، فأين، إذاً، قوله: بأنّ سلف الأُمّة اتّفقوا على أنّه فوق العالم، وأنّه ليس لنا أن نصفه بأنّه ليس بجسم، إذ لم يرد في الكتاب والسنّة؟!
وثانياً: أنّ قوله: «ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه لا يكون إلاّ معدوماً»، يدلّ على أنّه يتصوّر أنّه سبحانه جسم، إذ من المعلوم أنّ الجسم إذا لم يكن
[١] منهاج السنّة النبوية: ٢/١٤٧، وفي طبعة بولاق : ١ / ١٨٣ ـ ١٨٤.
[٢] منهاج السنّة النبوية: ٢/١٤٩، وفي طبعة بولاق : ١ / ١٨٤.