ابن تيمية فكراً ومنهجاً - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٨٣ - ١١ آراء ابن تيمية حول الإمام الهادي(عليه السلام)
أقول: إنّ أساس الإشكال أنّ الرجل لم يفرّق بين الاستئناس بالآية وبين الاستدلال بها.
فالإمام تارة يستدل بالآية على فتواه، وأُخرى يستأنس بها ويجعل الآية تمهيداً لإقناع المخاطب ولنذكر مثالاً لكلٍّ من القسمين:
أمّا الاستدلال فقد روي أنّه قُدّم إلى المتوكّل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحدّ، فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: الإيمان يمحو ما قبله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود. فكتب المتوكل إلى الإمام الهادي(عليه السلام)يسأله، فلمّا قرأ الكتاب، كتب: «يضرب حتى يموت». فأنكر الفقهاء ذلك، فكتب إليه يسأله عن العلّة، فكتب: بسم الله الرّحمن الرّحيم:((فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَ خَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ))[١]، فأمر به المتوكل، فضرب حتى مات.[٢]
تجد أنّ الإمام الهادي(عليه السلام) استنبط حكم الموضوع (الإيمان عند رؤية العذاب) من آية مباركة، لا يذكرها الفقهاء في عداد آيات الأحكام، غير أنّ الإمام لوقوفه على سعة دلالة القرآن، استنبط حكم الموضوع من تلك الآية، وكم له من نظير.
وأمّا الاستئناس فالمراد به أنّ الآية توجد أرضية خاصّة لقبول المخاطب مفاد الفتوى، وهي كما في المقام، إذ لا شكّ في أنّ استعمال مواطن كثيرة في الآية في العدد الخاص لا يكون دليلاً على تعيّن الصدقة بهذا العدد، وإنّما
[١] غافر:٨٤ـ٨٥.
[٢]مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب :٤/٤٠٣ـ٤٠٥.