ابن تيمية فكراً ومنهجاً - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٤ - التجسيم في عقيدة ابن تيمية
هذه كلماته التي نقلناها بنصّها من بعض كتبه، ودع عنك ما ذكره في الرسائل الكبرى التي سيوافيك شيء منه.
ولكن ما ندري ما ذا يريد بقوله: ثابت بصحيح المنقول، فهل يعني الذكر الحكيم؟ فما اختاره يضادّه تماماً حيث يقول : ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ))، فلو كان سبحانه جسماً يلزم أن يكون له طول وعرض وارتفاع، وبالتالي يكون مركّباً من أجزاء محتاجاً في تحقّقه إلى كلّ جزء. هذا ما يقوله صحيح المنقول.
وأمّا ما نسبه إلى صريح المعقول فهو أيضاً يضادّ ما ذكره تماماً كذلك، إذ لو كان جسماً لاحتاج إلى مكان، فالمكان إمّا أن يكون قديماً فيكون إلهاً ثانياً، وإن كان حادثاً أحدثه سبحانه، فأين كان هو قبل إحداث هذا المكان؟
وأمّا رفع الناس أيديهم عند الدعاء فلا يعني أنّه سبحانه في السماء وإنّما يريدون إفهام رفعة مقام الله سبحانه برفعهم أيديهم; مضافاً إلى أنّ البركات تنزل من السماء، قال سبحانه: ((وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُون))[١]، وسيأتي الكلام فيه، فانتظر.
وأمّا ما نسبه إلى السلف ـ فالسلف بريء منه براءة يوسف ممّا اتّهم به ـ فيكفينا أن نذكر كلام البيهقي في كتابه «الأسماء والصفات»، قال: احتجّ أهل السنّة على أنّه سبحانه ليس في مكان بالحديث النبوي التالي، قال(صلى الله عليه وآله وسلم): «أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» فإذا لم يكن فوقه شيء ولا دونه شيء لم يكن في مكان.[٢]
[١] الذاريات:٢٢.
[٢] الأسماء و الصفات: ٤٠٠، باب ما جاء في العرش والكرسي.