ابن تيمية فكراً ومنهجاً - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٨ - التساؤلات والإشكالات حول الرواية
وعندئذ نقول: هل يُعقَل إذاً، إذا كان الأمر كذلك ـ وهو فعلاً كذلك ـ أن يغضب الأسوة الحسنة في الخلُق العظيم وفي تطبيق الأحكام، وأمام الملأ هذا الغضب العارم ـ الّذي تصوّره روايات البخاري ـ على ابن عمه وصهره وموضع سرّه وأبي ذريّته، وهل يُعقل والأمر كذلك أن يوجّه الرحمة المهداة للعالمين، والرؤوف الرحيم بالمؤمنين هذه الرسالة الشديدة اللهجة ـ وعبر الناس ـ إلى فاديه وناصره ورفيق دربه وجهاده وأوّل المؤمنين به؟!
ولمّا كان غضب النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) إلى هذه الدرجة من أمر جائز، لا يمكن أن يقبل به مسلم واع عارف بسيرته ومنزلته(صلى الله عليه وآله وسلم)، حاول بعض مَن يقدّس كلّ ما ورد في الصحيحين من روايات أن يتمحّل له أسباباً مختلفة، فقال ابن التين: أصحّ ما تُحمل عليه هذه القصة أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) حرّم على عليّ أن يجمع بين ابنته وبين ابنة أبي جهل، لأنّه علّل بأنّ ذلك يؤذيه وأذيته حرام بالاتفاق، ومعنى قوله: (لا أُحرّم حلالاً) أي هي له حلال لو لم تكن عنده فاطمة، وأمّا الجمع بينهما الّذي يستلزم تأذّي النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) لتأذّي فاطمة به فلا.
وقال ابن حجر: وزعم غيره أنّ السياق يُشعر بأنّ ذلك مباح لعليّ، لكنه منعه النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) رعاية لخاطر فاطمة، وقَبِل هو ذلك امتثالاً لأمر النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم)، والّذي يظهر لي أنّه لا يبعد أن يُعدّ في خصائص النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)أن لا يُتزوج على بناته، ويُحتمل أن يكون ذلك خاصّاً بفاطمة(عليها السلام).[١]
وهكذا تتعدّد الاحتمالات، والتحميلات على محامل بعيدة، من أجل الدفاع عن الرواية، الّتي لو كانت (في غير علىّ(عليه السلام)) لرُئي فيها موقف آخر.
[١] فتح الباري:٩/٣٢٨ـ٣٢٩.