الإمامة الإلهية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٨٣ - النقطة الرابعة فصل الدين عن نظام الطبيعة
النقطة الرابعة: فصل الدين عن نظام الطبيعة
في الحقيقة إن هذا البحث يمت إلى جدل مطروح في النظرة إلى الدين على أنه مشروع هداية تشريعية وليس مشروعا لعمارة الطبيعة نظير ما أثير في قوله تعالى:
«وَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ» [١].
حيث قيل في تفسير: «تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ» أنه بيان للهداية التشريعية وأصول المعارف الاعتقادية، وأما علوم الطبيعة من الفيزياء والكيمياء والأحياء والطب والجغرافيا وغيرها من العلوم الرياضية والهندسية، فليست من شأن هداية السماء ولا من اختصاصات القرآن الكريم.
إذ ليس هو دخيلا في السعادة الأخروية للبشر، ولا دخيلا في إقامة العدالة الاجتماعية في النظام الاجتماعي السياسي، ومن ثم لم يهتم الأنبياء عليهم السلام بعمارة دنيا البشرية، وإنما بعمارة الآخرة.
فالأنبياء والأولياء عليهم السلام هداة لا أطباء ومهندسون وحكام وساسة ولا محترفي صنائع ولا مهرة فنون، فلا بد أن يكون معنى «تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ» هو تبيان لكل شيء في صراط الهداية والصراط المستقيم.
بل إن بعضهم ذهب إلى أن تبيان كل شيء لا يشمل تفاصيل الشريعة وإنما يختص بأصول وكليات التشريع فضلا عن علوم الطبيعة ونحوها من أنظمة العلوم وقوانين الفنون، بينما ذهب آخرون إلى عموم الآية في عامة العلوم والمعارف أسسها وتفاصيلها، غاية الأمر إن ذلك ليس في ظاهر القرآن بل فيما خفي من دلالته وظهوره الذي لا يلتفت إلى الإحاطة به إلا المعصوم عليه السلام، وقد أشارت إلى ذلك جملة من الآيات الأخرى منها:
[١] سورة النحل [٨٩] .