تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٨ - ١٨٦٠ ـ خالد بن تبوك
للمجلس ، فقال : ما أحسبنا إلّا قد احتجنا إلى أن نجدد لأبي سماعة منزلا وآلة وخرثيا [١] ومتاعا ، يا غلام ادفع إليه عشرة آلاف درهم وتختا [٢] فيه عشرة أثواب ، فدفع إليه ، فلما خرج تلقاه أصحابه يهنئونه ويسألونه عن أمره فقال : ما عسيت أن أقول إلّا أنه ابن الزانية أبى إلّا كرما فبلغت يحيى كلمته من ساعته : فأمر برده فحضر فقال له : يا أبا سماعة لم تعرف من هجانا ، لم تعرف من شتمنا؟ قال له أبو سماعة : ما عرفته فعلته أيّها الوزير ، حسدت وكذّب عليّ فنظر إليه يحيى مليا ثم أنشأ يقول :
| إذا ما المرء لم يخدش بظفر | ولم يوجد له أن عض ناب | |
| رحاء فيه الغميزة من بغاها | وذلك من مراتبه الصّعاب |
قال أبو سماعة : كلا أيها الوزير ، ولكنه كما قال :
| لن يبلغ المجد أقوام وإن شرفوا | حتى يذلوا وإن عزّوا لأقوام | |
| ويشتموا فترى الألوان مسفرة | لأصفح ذلّ ولكن صفح أقوام |
فتبسم يحيى وقال : إنّا قد عذرناك وعلمنا أنك لن تدع مساوئ شيمك ولؤم طبعك ، فلا أعدمك الله ما جبلك عليه من مذموم أخلاقك ، ثم تمثل :
| متى لم تتسع أخلاق قوم | يضيق بهم الفسيح من البلاد | |
| إذا ما المرء لم يوجد لبيبا | فليس اللبّ عن قدم الولاد |
ثم قال : هو والله كما قال عمر بن الخطاب : المؤمن لا يشفى غيظه ، ثم إن أبا سماعة هجا بعد ذلك سليمان بن أبي جعفر ، وكان إليه محسنا ، فأمر به الرشيد فحلق رأسه ولحيته.
وبلغني أن خالد بن برمك مات في جمادى الأولى سنة خمس وستين ومائة وهو ابن خمس وسبعين سنة ، ومولده سنة تسعين.
١٨٦٠ ـ خالد بن تبوك
حكى عن شيخ من أهل العلم.
[١] الخرثي بضم الخاء : أثاث البيت أو أردأ المتاع ، وبفتح الخاء : المرأة الضخمة الخاصرتين المسترخية اللحم (قاموس).
[٢] التخت : وعاء يصان فيه الثياب (قاموس).