إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٤٩٩ - الوصية بالتقوى
عَلَماً بَادِياً، وَ آيَةً مُحْكَمَةً، تَزْجُرُ عَنْهُ، أَوْ تَدْعُو إِلَيْهِ، فَرِضَاهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ، وَ سَخَطُهُ فِيمَا بَقِيَ وَاحِدٌ.
وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرْضَى عَنْكُمْ بِشَيْءٍ سَخِطَهُ[١] عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَ لَنْ يَسْخَطَ عَلَيْكُمْ بِشَيْءٍ رَضِيَهُ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَ إِنَّمَا تَسِيرُونَ فِي أَثَرٍ بَيِّنٍ، وَ تَتَكَلَّمُونَ بِرَجْعِ قَوْلٍ[٢] قَدْ قَالَهُ اَلرِّجَالُ مِنْ قَبْلِكُمْ. قَدْ كَفَاكُمْ مَئُونَةَ دُنْيَاكُمْ، وَ حَثَّكُمْ عَلَى اَلشُّكْرِ، وَ اِفْتَرَضَ مِنْ أَلْسِنَتِكُمُ اَلذِّكْرَ.
وَ أَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى، وَ جَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ، وَ حَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ. فَاتَّقُوا اَللَّهَ اَلَّذِي أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ، وَ نَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ، وَ تَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ. وإِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ، وَ إِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ؛ قَدْ وكل بِذَلِكَ حَفَظَةً كِرَاماً، لاَ يُسْقِطُونَ حَقّاً، وَ لاَ يُثْبِتُونَ بَاطِلاً.
وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ «مَنْ يَتَّقِ اَللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً» مِنَ اَلْفِتَنِ، وَ نُوراً مِنَ اَلظُّلَمِ، وَ يُخَلِّدْهُ فِيمَا اِشْتَهَتْ نَفْسُهُ، وَ يُنْزِلْهُ مَنْزِلَ اَلْكَرَامَةِ عِنْدَهُ، فِي دَارٍ اِصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ؛ ظِلُّهَا عَرْشُهُ، وَ نُورُهَا بَهْجَتُهُ، وَ زُوَّارُهَا مَلاَئِكَتُهُ، وَ رُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ؛ فَبَادِرُوا اَلْمَعَادَ، وَ سَابِقُوا اَلْآجَالَ، فَإِنَّ اَلنَّاسَ يُوشِكُ[٣] أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ اَلْأَمَلُ، وَ يَرْهَقَهُمُ[٤]
[١] سَخِطَ: سخطاً، من باب تعب: غضب.
[٢] رَجْعِ قَوْلٍ: قال الشارح البحراني، أي: المردّد منه، و لعلَّه وهم؛ لأنّ الترديد معنى الترجيح مصدر باب التفعيل، و منه ترجيع الصّوت و هو تحريكه، و ترجيع الأذان و هو تكرير فصوله، و في القاموس: الرجيع من الكلام: المردود إلى صاحبه و الروث و كلّ مردود، و لم يذكر في معاني رجع الترديد، فالظاهر أنه بمعنى النفع من قولهم ليس له منه رجع، أي: نفع و فائدة، قال في القاموس: الرجع النفع و رجع كلامي فيه أفاد.
[٣] يُوشِكُ: يوشك أن يكون كذا بكسر الشين من أفعال المقاربة مضارع (أوشك) يفيد الدنوّ من الشيء، و قال الفارابي: الايشاك الإسراع، و قال النحاة: استعمال المضارع أكثر من الماضي، و استعمال اسم الفاعل قليل، و قد استعملوا ماضياً ثلاثياً، فقالوا وشك مثل قرب وشكا، و في القاموس: وشك الأمر ككرم سرع كوشك و أوشك: أسرع السير، كواشك و يوشك الأمر أن يكون و أن يكون الأمر، و لا تفتح شينه أو لغة رديئة.
[٤] يَرْهَقَهُمُ: رهقت الشيء رهقاً، من باب تعب: قربت منه، قال أبو زيد: طلبت الشيء حتّى رهقته، و كدت آخذه، أو أخذته، و قال: رهقته أدركته، و رهقه الدّين غشيه.