إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢٤ - الرسول الأعظم
يُذِلُّهُ، دَابَّتُهُ رِجْلاَهُ، وَ خَادِمُهُ يَدَاهُ!
فَتَأَسَّ بِنَبِيِّكَ اَلْأَطْيَبِ اَلْأَطْهَرِ صلى الله عليه و آله فَإِنَّ فِيهِ أُسْوَةً لِمَنْ تَأَسَّى، وَ عَزَاءً لِمَنْ تَعَزَّى. وَ أَحَبُّ اَلْعِبَادِ إِلَى اَللَّهِ اَلْمُتَأَسِّي بِنَبِيِّهِ، وَ اَلْمُقْتَصُّ لِأَثَرِهِ. قَضَمَ اَلدُّنْيَا قَضْماً[١]، وَ لَمْ يُعِرْهَا طَرْفاً أَهْضَمُ[٢] أَهْلِ اَلدُّنْيَا كَشْحاً[٣]، وَ أَخْمَصُهُمْ مِنَ اَلدُّنْيَا بَطْناً، عُرِضَتْ عَلَيْهِ اَلدُّنْيَا فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَهَا، وَ عَلِمَ أَنَّ اَللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبْغَضَ شَيْئاً فَأَبْغَضَهُ، وَ حَقَّرَ شَيْئاً[٤] فَحَقَّرَهُ، وَ صَغَّرَ شَيْئاً فَصَغَّرَهُ. وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ فِينَا إِلاَّ حُبُّنَا مَا أَبْغَضَ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ، وَ تَعْظِيمُنَا مَا صَغَّرَ اَللَّهُ وَ رَسُولُهُ، لَكَفَى بِهِ شِقَاقاً لِلَّهِ، وَ مُحَادَّةً عَنْ أَمْرِ اَللَّهِ.
وَ لَقَدْ كَانَ صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ يَأْكُلُ عَلَى اَلْأَرْضِ، وَ يَجْلِسُ جِلْسَةَ اَلْعَبْدِ، وَ يَخْصِفُ بِيَدِهِ نَعْلَهُ، وَ يَرْقَعُ بِيَدِهِ ثَوْبَهُ، وَ يَرْكَبُ اَلْحِمَارَ اَلْعَارِيَ، وَ يُرْدِفُ خَلْفَهُ، وَ يَكُونُ اَلسِّتْرُ عَلَى بَابِ بَيْتِهِ فَتَكُونُ فِيهِ اَلتَّصَاوِيرُ فَيَقُولُ: «يَا فُلاَنَةُ - لِإِحْدَى أَزْوَاجِهِ - غَيِّبِيهِ عَنِّي، فَإِنِّي إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ ذَكَرْتُ اَلدُّنْيَا وَ زَخَارِفَهَا». فَأَعْرَضَ عَنِ اَلدُّنْيَا بِقَلْبِهِ، وَ أَمَاتَ ذِكْرَهَا مِنْ نَفْسِهِ، وَ أَحَبَّ أَنْ تَغِيبَ زِينَتُهَا عَنْ عَيْنِهِ، لِكَيْلاَ يَتَّخِذَ مِنْهَا رِيَاشاً، وَ لاَ يَعْتَقِدَهَا قَرَاراً، وَ لاَ يَرْجُوَ فِيهَا مُقَاماً، فَأَخْرَجَهَا مِنَ اَلنَّفْسِ، وَ أَشْخَصَهَا عَنِ اَلْقَلْبِ، وَ غَيَّبَهَا عَنِ اَلْبَصَرِ، وَ كَذَا *مَنْ أَبْغَضَ شَيْئاً أَبْغَضَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَ أَنْ يُذْكَرَ عِنْدَهُ.
وَ لَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اَللَّهِ صلى الله عليه و آله مَا يَدُلُّكُ عَلَى مَسَاوِئِ اَلدُّنْيَا وَ عُيُوبِهَا: إِذْ جَاعَ
[١] القَضْمِ: الأكل بأدنى الفم، أي: بأطراف الأسنان، و يروى قصم بالصّاد المهملة من القصم، و هو القصر. [منهاج البراعة - الخوئي]
[٢] الهَضْمُ: محرّكة: انضمام الجنبين و خمص البطن.
[٣] الكَشْحُ: الخاصرة، كَشَحَ الوَلَدَ: أَصَابَهُ فِي خِصْرِهِ، فِي كَشْحِهِ.
[٤] وَ حَقَّرَ شَيْئاً: يروى بالتّخفيف و التضعيف. [منهاج البراعة - الخوئي]
(*) و في نسخةٍ: (كذلك) بدل (كذا).