إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٤٤٦ - الوصية بالتقوى
جَانٌّ أَوْ إِنْسٌ. لاَ يُدْرَكُ بِوَهْمٍ، وَ لاَ يُقَدَّرُ بِفَهْمٍ، وَ لاَ يَشْغَلُهُ سَائِلٌ، وَ لاَ يَنْقُصُهُ نَائِلٌ، وَ لاَ يَنْظُرُ بِعَيْنٍ، وَ لاَ يُحَدُّ بِأَيْنٍ[١]، وَ لاَ يُوصَفُ بِالْأَزْوَاجِ، وَ لاَ يُخْلَقُ بِعِلاَجٍ، وَ لاَ يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ، وَ لاَ يُقَاسُ بِالنَّاسِ. اَلَّذِي كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيماً، وَ أَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ عَظِيماً، بِلاَ جَوَارِحَ وَ لاَ أَدَوَاتٍ، وَ لاَ نُطْقٍ وَ لاَ لَهَوَاتٍ[٢] بَلْ إِنْ كُنْتَ صَادِقاً أَيُّهَا اَلْمُتَكَلِّفُ لِوَصْفِ رَبِّكَ، فَصِفْ جِبْرِيلَ وَ مِيكَائِيلَ وَ جُنُودَ اَلْمَلاَئِكَةِ اَلْمُقَرَّبِينَ، فِي حُجُرَاتِ اَلْقُدُسِ مُرْجَحِنِّينَ[٣]، مُتَوَلِّهَةً عُقُولُهُمْ أَنْ يَحُدُّوا أَحْسَنَ اَلْخَالِقِينَ. فَإِنَّمَا يُدْرَكُ بِالصِّفَاتِ ذَوُو اَلْهَيْئَاتِ وَ اَلْأَدَوَاتِ، وَ مَنْ يَنْقَضِي إِذَا بَلَغَ أَمَدَ حَدِّهِ بِالْفَنَاءِ، فَلاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ أَضَاءَ بِنُورِهِ كُلَّ ظَلاَمٍ، وَ أَظْلَمَ بِظُلْمَتِهِ كُلَّ نُورٍ.
أُوصِيكُمْ عِبَادَ اَللَّهِ بِتَقْوَى اَللَّهِ اَلَّذِي أَلْبَسَكُمُ اَلرِّيَاشَ[٤]، وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمُ اَلْمَعَاشَ[٥]، فَلَوْ أَنَّ أَحَداً يَجِدُ إِلَى اَلْبَقَاءِ سُلَّماً[٦]، أَوْ لِدَفْعِ اَلْمَوْتِ سَبِيلاً، لَكَانَ ذَلِكَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ، اَلَّذِي سُخِّرَ لَهُ مُلْكُ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ، مَعَ اَلنُّبُوَّةِ وَ عَظِيمِ اَلزُّلْفَةِ. فَلَمَّا اِسْتَوْفَى طُعْمَتَه،ُ وَ اِسْتَكْمَلَ مُدَّتَهُ، رَمَتْهُ قِسِيُّ[٧] اَلْفَنَاءِ بِنِبَالِ[٨] اَلْمَوْتِ، وَ أَصْبَحَتِ اَلدِّيَارُ مِنْهُ خَالِيَةً، وَ اَلْمَسَاكِنُ مُعَطَّلَةً، وَ وَرِثَهَا قَوْمٌ آخَرُونَ، وَ إِنَّ لَكُمْ فِي اَلْقُرُونِ اَلسَّالِفَةِ لَعِبْرَةً!
[١] أَيْنٍ: الأنواء، جمع نوء: و هو سقوط النجم من منازل القمر الثمانية و العشرين في المغرب من الفجر و طلوع رقيبه من المشرق مقابلاً له من ساعته، و ستعرف زيادة تحقيق له في بيان المعنى.
[٢] اللَّهَوَاتِ: و اللَّهيات جمع اللَّهاة: و هي اللَّحمة المشرفة على الحلق أو بين منقطع أصل اللَّسان و منقطع القلب من أعلى الفم.
[٣] مُرْجَحِنِّينَ: ارجحنّ يرجحنّ، كاقشعرّ: مال و اهتزّ، و عن الجزري: أرجحنّ الشيء، إذا مال من ثقله و تحرّك.
[٤] الرِّيَاشَ: و الريش ما ظهر من اللباس، و قيل: الرياش جمع الريش، و هو اللباس الفاخر.
[٥] الْمَعَاشَ: و المعيشة، مكتسب الإنسان الَّذي يعيش به.
[٦] السُّلَّم: كسكَّر، ما يرتقى عليه.
[٧] القِسِيَّ: جمع القوس.
[٨] نِبَالِ: السّهام العربيّة، لا واحد لها من لفظها.