إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٢٢ - رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم
و منها: يَدَّعِي بِزَعْمِهِ[١] أَنَّهُ يَرْجُو اَللَّهَ،كَذَبَ وَ اَلْعَظِيمِ! مَا بَالُهُ لاَ يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ؟ فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ. وَ كُلُّ رَجَاءٍ - إِلاَّ رَجَاءَ اَللَّهِ تَعَالَى - فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ[٢]، وَ كُلُّ خَوْفٍ مُحَقَّقٌ إِلاَّ خَوْفَ اَللَّهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ. يَرْجُو اَللَّهَ فِي اَلْكَبِيرِ، وَ يَرْجُو اَلْعِبَادَ فِي اَلصَّغِيرِ، فَيُعْطِي اَلْعَبْدَ مَا لاَ يُعْطِي اَلرَّبَّ! فَمَا بَالُ اَللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِهِ لِعِبَادِهِ؟ أَ تَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً؟ أَوْ تَكُونَ لاَ تَرَاهُ لِلرَّجَاءِ مَوْضِعاً؟ وَ كَذَلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ، أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَا لاَ يُعْطِي رَبَّهُ، فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ اَلْعِبَادِ نَقْدا،ً وَ خَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِمَاراً[٣] وَ وَعْداً. وَ كَذَلِكَ مَنْ عَظُمَتِ اَلدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ، وَ كَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ، آثَرَهَا عَلَى اَللَّهِ تَعَالَى، فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا، وَ صَارَ عَبْداً لَهَا.
رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلّم
وَ لَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اَللَّهِ صلى الله عليه و آله كَافٍ لَكَ فِي اَلْأُسْوَةِ[٤]، وَ دَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ اَلدُّنْيَا وَ عَيْبِهَا، وَ كَثْرَةِ مَخَازِيهَا[٥] وَ مَسَاوِيهَا[٦]، إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا، وَ وُطِّئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا[٧]، وَ فُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا، وَ زُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا.
[١] الزّعْمِ: مثلّثة الزاء: قد يطلق على الظنّ و الاعتقاد الفاسد، و منه قوله تعالى: (زَعَمَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا) [التغابن - ٧]. و قد يطلق على القول الباطل و الكذب، و ربّما يطلق على القول الحقّ، و المراد هنا الأوّل. [منهاج البراعة - الخوئي]
[٢] مَدْخُولُ: مفعول من الدّخل بالتسكين، و هو المكر و الخديعة و العيب، و مثله الدّخل محرّكة، قال تعالى: (وَ لاٰ تَتَّخِذُوا أَيْمٰانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ) [النحل - ٩٤]، أي: مكراً و خديعة.
[٣] الضِّمَار: ما لا يرجى من الوعود، هكذا قال الشّارح المعتزلي، و قال الفيروزآبادي: الضّمار ككتاب من المال الَّذي لا يرجى رجوعه، و من العذاب ما كان ذا تسويف و خلاف العيان، و من الدّين ما كان بلا أجل. [القاموس/ (ضمر) /شرح النهج/المعتزلي]
[٤] الْأُسْوَةِ: بالكسر و الضّم: القدوة.
[٥] المَخَازِي: جمع مخزاة، و هي الأمر يستحى من ذكره لقبحه.
[٦] المَسَاوِئ: العيوب و النقائص، ساءَهُ يَسُوءُه سَوْءًا و سُوءًا و سَواءً و سَواءة و سَوايةً و سَوائِيَةً و مَساءة و مَسايةً و مَساءً و مَسائِيةً: فعل به ما يكره، نقيض سَرَّه. [لسان العرب].
[٧] الأَكْنَافِ: جمع كنف، الأطراف، و الكَنَفةُ: ناحية الشيء، و ناحِيتا كلِّ شيء كنَفاه، و الجمع أَكناف.