إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ١١٥ - ابتداع المخلوقين
فِي لَيْلٍ دَاجٍ، وَ لاَ غَسَقٍ[١] سَاجٍ، يَتَفَيَّأُ[٢] عَلَيْهِ اَلْقَمَرُ اَلْمُنِيرُ، وَ تَعْقُبُهُ[٣] اَلشَّمْسُ ذَاتُ اَلنُّورِ فِي اَلْأُفُولِ وَ اَلْكُرُورِ، وَ تَقَلُّبِ اَلْأَزْمِنَةِ وَ اَلدُّهُورِ، مِنْ إِقْبَالِ لَيْلٍ مُقْبِلٍ، وَ إِدْبَارِ نَهَارٍ مُدْبِر.ٍ قَبْلَ كُلِّ غَايَةٍ وَ مُدَّةٍ، وَ كُلِّ إِحْصَاءٍ وَ عِدَّةٍ، تَعَالَى عَمَّا يَنْحَلُهُ اَلْمُحَدِّدُونَ مِنْ صِفَاتِ اَلْأَقْدَارِ، وَ نِهَايَاتِ اَلْأَقْطَارِ، وَ تَأَثُّلِ[٤] اَلْمَسَاكِنِ، وَ تَمَكُّنِ اَلْأَمَاكِنِ. فَالْحَدُّ لِخَلْقِهِ مَضْرُوبٌ، وَ إِلَى غَيْرِهِ مَنْسُوبٌ. لَمْ يَخْلُقِ اَلْأَشْيَاءَ مِنْ أُصُولٍ أَزَلِيَّةٍ، وَ لاَ مِنْ أَوَائِلَ أَبَدِيَّةٍ، بَلْ خَلَقَ مَا خَلَقَ فَأَقَامَ حَدَّهُ، وَ صَوَّرَ فَأَحْسَنَ صُورَتَهُ. لَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْهُ اِمْتِنَاعٌ، وَ لاَ لَهُ بِطَاعَةِ شَيْءٍ اِنْتِفَاعٌ. عِلْمُهُ بِالْأَمْوَاتِ اَلْمَاضِينَ كَعِلْمِهِ بِالْأَحْيَاءِ اَلْبَاقِينَ، وَ عِلْمُهُ بِمَا فِي اَلسَّمَاوَاتِ اَلْعُلَى كَعِلْمِهِ بِمَا فِي اَلْأَرَضِينَ اَلسُّفْلَى.
منها: أَيُّهَا اَلْمَخْلُوقُ اَلسَّوِيُّ، وَ اَلْمُنْشَأُ اَلْمَرْعِيُّ فِي ظُلُمَاتِ اَلْأَرْحَامِ، وَ مُضَاعَفَاتِ اَلْأَسْتَارِ. بُدِئْتَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، وَ وُضِعْتَ فِي قَرارٍ مَكِينٍ، إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ، وَ أَجَلٍ مَقْسُومٍ، تَمُورُ فِي بَطْنِ أُمِّكَ جَنِيناً لاَ تُحِيرُ[٥] دُعَاءً، وَ لاَ تَسْمَعُ نِدَاءً، ثُمَّ أُخْرِجْتَ مِنْ مَقَرِّكَ إِلَى دَارٍ لَمْ تَشْهَدْهَا، وَ لَمْ تَعْرِفْ سُبُلَ مَنَافِعِهَا. فَمَنْ هَدَاكَ لاِجْتِرَارِ اَلْغِذَاءِ مِنْ ثَدْيِ أُمِّكَ، وَ عَرَّفَكَ عِنْدَ اَلْحَاجَةِ مَوَاضِعَ طَلَبِكَ وَ إِرَادَتِكَ! هَيْهَاتَ، إِنَّ مَنْ يَعْجِزُ عَنْ صِفَاتِ ذِي اَلْهَيْئَةِ وَ اَلْأَدَوَاتِ فَهُوَ عَنْ صِفَاتِ خَالِقِهِ أَعْجَزُ. وَ مِنْ تَنَاوُلِهِ بِحُدُودِ اَلْمَخْلُوقِينَ أَبْعَدُ!.
[١] الغَسَقِ: محركة، الظَّلام أو ظلمة أوّل اللَّيل.
[٢] يَتَفَيَّأَ: تفيّأ الظلّ: تقلَّب و رجع من جانب إلى جانب، قال سبحانه: (يَتَفَيَّؤُا ظِلاٰلُهُ) [النحل - ٤٨].
[٣] تَعْقُبُهُ: عقبت زيداً عقباً، من باب (قتل)، و عقوباً و عقّبته بالتشديد: جئت بعده، و منه سمّي رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم العاقب؛ لأنّه عقب من كان قبله من الأنبياء، أي: جاء بعدهم، و تعقبه الشّمس مضارع عقب بالتخفيف، و يروى يعقّبه مضارع عقّب بالتضعيف، و في نسخة الشارح المعتزلي: تعقّبه، قال الشارح: أي: تتعقّبه، فحذف إحدى التائين، كما قال سبحانه: (اَلَّذِينَ تَوَفّٰاهُمُ اَلْمَلاٰئِكَةُ) [النساء - ٩٧]. [منهاج البراعة - الخوئي]
[٤] تَأَثُّلِ: تأثّل المال: اكتسبه.
[٥] تُحِيرُ: أحار جواباً، يحيّره ردّه.