إعراب نهج البلاغة - قطیش، عبدالقادر - الصفحة ٥٠٠ - الوصية بالتقوى
اَلْأَجَلُ، وَ يُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ اَلتَّوْبَةِ. فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ اَلرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَ أَنْتُمْ بَنُو سَبِيلٍ، عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ، وَ قَدْ أُوذِنْتُمْ مِنْهَا بِالاِرْتِحَالِ، وَ أُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ.
وَ اِعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهَذَا اَلْجِلْدِ اَلرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى اَلنَّارِ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ، فَإِنَّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ اَلدُّنْيَا، أَ فَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ اَلشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، وَ اَلْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ، وَ اَلرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ؟ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ[١] مِنْ نَارٍ، ضَجِيعَ حَجَرٍ، وَ قَرِينَ شَيْطَانٍ! أَ عَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى اَلنَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضاً لِغَضَبِهِ، وَ إِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبْوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ!
أَيُّهَا اَلْيَفَنُ[٢] اَلْكَبِيرُ، اَلَّذِي قَدْ لَهَزَهُ اَلْقَتِيرُ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا اِلْتَحَمَتْ أَطْوَاقُ اَلنَّارِ بِعِظَامِ اَلْأَعْنَاقِ، وَ نَشِبَتِ اَلْجَوَامِعُ حَتَّى أَكَلَتْ لُحُومَ اَلسَّوَاعِدِ. فَاللَّهَ اَللَّهَ مَعْشَرَ اَلْعِبَادِ! وَ أَنْتُمْ سَالِمُونَ فِي اَلصِّحَّةِ قَبْلَ اَلسُّقْمِ، وَ فِي اَلْفُسْحَةِ قَبْلَ اَلضِّيقِ. فَاسْعَوْا فِي فَكَاكِ رِقَابِكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُغْلَقَ رَهَائِنُهَا. أَسْهِرُوا عُيُونَكُمْ، وَ أَضْمِرُوا بُطُونَكُمْ وَ اِسْتَعْمِلُوا أَقْدَامَكُمْ، وَ أَنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ، وَ خُذُوا مِنْ أَجْسَادِكُمْ فَجُودُوا بِهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَ لاَ تَبْخَلُوا بِهَا عَنْهَا، فَقَدْ قَالَ اَللَّهُ سُبْحَانَهُ: (إِنْ تَنْصُرُوا اَللّٰهَ يَنْصُرْكُمْ وَ يُثَبِّتْ أَقْدٰامَكُمْ)[محمد -٧] وَ قَالَ تَعَالَى: (مَنْ ذَا اَلَّذِي يُقْرِضُ اَللّٰهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضٰاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ)[الحدِید -١١] فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ ذُلٍّ، وَ لَمْ يَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قُلٍّ؛ اِسْتَنْصَرَكُمْ وَ لَهُ جُنُودُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ هُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ، وَ اِسْتَقْرَضَكُمْ وَ لَهُ خَزَائِنُ اَلسَّمَاوَاتِ وَ اَلْأَرْضِ، وَ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ. وَ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ
[١] الطابق: وزان هاجر، و صاحب و رويا معاً الأجر الكبير، و ظرف يطبخ فيه معرب تابه، و الجمع طوابيق.
[٢] الْيَفَنُ: محرّكة، الشيخ الكبير.