أقرب الموارد في فصح العربية و الشوارد - شرتونی، سعید - الصفحة ١٤ - مقدمة الكتاب
المقصد الثاني في تساهل اللغويين في التعريف الدوريّ و في قصور تعريف النبات و الحيوان
اعلم ان الدور في التعريف هو ان يُعرَّف الشيءُ بشيءٍ ثم يُعرَّف هو ايضاً بالذي عُرِّف به و هو لا يفيد الايضاح المقصود من التعريف و لهذا كان معيباً عند المناطقة مثال ذلك قول القاموس تَنَجَّح لحاجة و استنجحها تنجزها ثم قولهُ تنجز الحاجة و استنجزها استنجحها فقد فسَّر تنجح بتنجز ثم فسر تنجز باستنجح فبقي المعنى محجوباً لا يستخرج الا بعد تدبُّر اكثر ما في المادَّتين و هذا مجرّد تساهل و الا لما كان يعجز المجد او غيرهُ ان يقول تنجح الحاجة ساَل قضاءَها او طلب الفوز بها. و من الجرأَة على اولئك الائمة الذين لا يشقّ لهم غبار في مضمار اللسان انتقاد ذلك عليهم ثم تراجع المنتقد بعد ايراد الامثلة المتعددة عن الاتيان بما يقشع ضباب الدور و لا مراءَ ان وقوف الناقد عند مجرد التنبيه على وجود الدور شيء يخجل العاقل منهُ و عيب مسجل بالقصور عليه الا و انَّ معرفة ذلك مبتذلة لكل احد دون ان يمرّ عليه طويل عهدٍ في ممارسة المعجمات نعم انتقاد ذلك مع المجيء بالتعاريف السالمة من الدور فائدة لا تنكر.
و اما تعريف صنوف النبات و الحيوان فجلُّهُ تعريف بالاعمّ و هو دون ان يفيد تمام التعيين المقصود من التعريف و لشدَّ ما تشوَّقت نفسي الى تعريف كل نبت و حيوان تعريفاً كافلاً بافرادهِ عن جميع مشاركاتهِ في الجنس فانتجعت لهُ الكتب المفردة للنبات و الحيوان كمفردات ابن البيطار و حياة الحيوان للدميري فلم اقعْ على ما فيهِ بلال الغلَّة و شفاء العلَّة.
و اعلم ان اقرب طريقة عندي لتعريف كل نوع من النبات و الحيوان هي ان يفسر اسمهُ في الفصيح بما يُعرف به من الاسماء العاميَّة في كل طرف من اطراف البلاد العربيَّة مع ذكر اسمهِ بالفرنسوية فان تآليف الافرنج في ذلك على غاية الوضوح لانهم اذا ذكروا نباتاً او حيواناً رسموا صورتهُ و ذكروا من ايّ فصيلة هو و عددوا اوصافهُ و خاصّياتهِ و منافعهُ كما فعل ابن البيطار فيستطيع القارىءُ حينئذٍ سبيلاً الى معرفة مسمّى ذلك الاسم.