الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ٤١ - وصيّته لعبد اللّه بن جندب
يسرا، اصبر نفسك عند كلّ بليّة، و في ولد أو مال أو ذريّة، فإنما يقبض عاريته، و يأخذ هبته، ليبلو فيهما شكرك و صبرك، و ارج اللّه رجاء لا يجرّئك على معصيته، و خفه خوفا لا يؤيسك من رحمته و لا تغترّ بقول الجاهل و لا بمدحة فتكبر و تجبر و تغترّ بعملك، فإن أفضل العمل العبادة و التواضع، و لا تضيع مالك و تصلح مال غيرك ما [١] خلفته وراء ظهرك، و اقنع بما قسمه اللّه لك، و لا تنظر إلّا ما عندك، و لا تتمنّ ما لست تناله، فإن من قنع شبع، و من لم يقنع لم يشبع، و خذ حظّك من آخرتك، و لا تكن بطرا في الغنى، و لا جزعا في الفقر، و لا تكن فظّا غليظا يكره الناس قربك، و لا تكن واهنا يحقرك من عرفك، و لا تشارّ [٢] من فوقك، و لا تسخر بمن هو دونك، و لا تنازع الأمر أهله، و لا تطع السفهاء، وقف عند كلّ أمر حتّى تعرف مدخله و مخرجه قبل أن تقع فيه فتندم، و اجعل نفسك عدوّا تجاهده، و إن كانت لك يد عند إنسان فلا تفسدها بكثرة المنّ و الذكر لها، و لكن اتبعها بأفضل منها، فإن ذلك أجمل في أخلاقك و أوجب للثواب في آخرتك، و عليك بالصمت نعدّ حليما، جاهلا كنت أو عالما، فإن الصمت زين عند العلماء و سترة لك عند الجهّال.
و من هذه الوصية حكايته لكلام عيسى ٧ لأصحابه و هو قوله:
و إيّاكم و النظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة، و كفى بها لصاحبها فتنة، طوبى لمن جعل بصره في قلبه، و لم يجعل بصره في عينه، لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب و انظروا في عيوبهم كهيئة العبيد، إنما الناس مبتلى و معافى، فارحموا المبتلى، و احمدوا اللّه على العافية.
[١] ما موصولة عطف بيان لقوله- مال غيرك- أي أن الذي تخلفه وراء ظهرك هو مال غيرك فلا تهتمّ لاصلاحه، و تضييع مالك الذي ينبغي أن تنفقه في وجوه الخير.
[٢] بتضعيف الراء- تخاصم.