الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٨١
الخامس انّ اللّذة الحاصلة عند الأكل لذّة ضعيفة جدّا و كمالها انّما يحصل في اللّقمة الأولى و الثانية عند حصول الجوع الشّديد فاذا فتر الجوع فأتت الرّغبة فضعف الألتذاذ بالأكل، فثبت انّ زمان حصول هذه اللّذة زمان قليل، و لذا تقول الناس يقولون ان اللّه تعالى رفع اللّذة عن اطعمة الأغنياء و ودّعها في اطعمة الفقراء و ذلك ان الأغنياء لا يشتد جوعهم فلا يلتذّون بالطعام بخلاف الفقراء.
السادس انذ هذه اللّذات حقيرة جدا و ذلك لأنّ اللّذات الجسمانية المرغوب فيها كثيرة جدّا و الحاصل منها ليس الا القليل، و ذلك يوجب التّعب الشّديد و ذلك لأنّ الأنسان يبصر بعينه جميع ما في المبصرات و اذا أبصر شيئا فقد يميل طبعه اليه فيصير ذلك سببا لإشتداد رغبته في تحصيله، و كذلك القول في القوة السّامعة فانّها تسمع اشياء كثيرة تميل اليها و تتألم من سماع القبيح.
و بالجملة فالقلب بمنزلة المرآة المنصوبة على جدار و كان ذلك الجدار ممرا لأكثر موجودات هذا العالم و كلّما مرّ به شيء ظهر من ذلك الشيء فيه أثر، فان كان موافقا مال طبعه اليه فان لم يقدر على تحصيله تألّم قلبه، فثبت بهذا الطريق انّ قلبه لا بدّ و ان يكون ابدا مستغرقا في الهموم و الآلام، و اما الفرح فانّما يحصل اذا حصل المطلوب و دفع المكروه و ذلك قليل في جنب كثير، فثبت انّ الغالب على هذا العالم هو الهموم و الأحزان، و امّا اللّذة فقليلة جدا و من المعلوم ان النادر في جنب الراجح كالمعدوم بالنسبة الى الموجود، و الذي يؤيد هذا و يؤكده ما روي عن النبي ٦ انّه رأى جابر بن عبد اللّه و قد تنفّس الصعداء ففقال يا جابر علام تنفسك اعلى الدنيا؟ فقال جابر نعم، فقال يا جابر ملاذ الدّنيا سبعة: المأكول و المشروب و الملبوس و المنكوح و المركوب و المشموم و المسموع، فألذ المأكولات العسل و هو من فضل الذّباب، و أجل المشروب الماء و كفى بإباحته و سياحته على وجه الأرض، و أعلى الملبوسات الديباج و هو من لعاب دودة، و أعلى المنكوحات النساء و هو مبال في مبال، و انّما يراد أحسن ما في المرأة لأقبح ما فيها و أعلى المركوبات الخيل و هن قواتل، و أجلّ المشمومات المسك و هو دم من سرّة دابّة و أجل المسموعات الغناء و الترنم و هو اثم، فما هذه صفته كيف يتنافس عليه، قال جابر بن عبد اللّه فو اللّه ما خطرت الدنيا بعد على قلبي.
القسم الثاني الكلام في اللّذات الخياليّة و هي لذّة الرئاسة و نحوها و يدل خسّتها أمور:
الأول كل احد يجب ان يكون هو الرئيس للغير و ان يكون كل من سواه تحت قدرته و تحت تصرفه و حكمه، و ذلك لأنّ كون الأنسان قادرا على الغير نافذ التصرف فيه صفة الكمال محبوبة لذواتها، و كونه مقدورا للغير و محلا لتصرف الغير صفة النقص و صفة النقص مبغوضة