الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٤١
لشكر اللّه تعالى اذ كفاه او اعانه على هذا المهم بغيره، و ايضا فيه تكثر المرشدين الهادين و أوتاد الأرض و ربّما لبس عليه الشيطان و قال انما غمك من ظهور هذا العالم لإنقطاع الثواب عنك و وصوله الى غيرك لا لأجل انصراف الناس عنك و لم يعلم ان انقياده للحق أفضل من انفراده بهذا المعنى بل قد ينخدع الأنسان و يحدث نفسه بانه لو ظهر من هو أولى منه و اعلم لفرح به و اختاره على نفسه، ثم اذا ظهر ذلك العالم كذب عليه في الذي حدثته به نفسه، قال رسول اللّه ٦ انّ اللّه يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم فيه، و قال ايضا انّ اللّه يؤيّد هذا الدين بالرجل الفاجر.
الأمر الثاني استعمال ما علماه فانّ العاقل همّه الرعاية و الجاهل همه الرواية و جاء رجل الى علي بن الحسين ٧ فسأله مسائل، فأجاب ثم عاد ليسأل مثلها فقال علي بن الحسين ٧ مكتوب في الأنجيل لا تطلبوا علو ما لا تعلمون، و لما تعملوا بما علمتم، فان العلم اذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه الا كفرا و لم يزدد من اللّه الا بعدا و مثال الفقيه المتقن للعلوم من غير عمل مثل مريض به علّة لا يزيلها الا دواء مركب من أخلاط كثيرة لا يعرفها الا حذائق الأطباء فسعى في طلب الطبيب بعد ان هاجر عن وطنه حتى عثر على طبيب حاذق، فعلّمه الدواء و فصل له الأخلاط و أنواعها و مقاديرها و معادنها التي منها يجلب و علّمه كيفية دقّها و عجنها، فتعلم ذلك منه و كتب منه نسخا حسنة بحسن خط و رجع الى بيته و هو يكررها و يقرأها و يعلّمها المرضى و لم يشتغل بشربها و استعمالها أ فترى انّ ذلك يغني عنه من مرضه شيئا؟ هيهات لو كتب منه ألف كتاب و علّمه ألف مريض حتى شفي جميعهم و كرّره كل ليل ألف مرّة لم يغنه ذلك من مرضه شيئا الى ان يزن الذهب و يشتري الدواء و يخلطه كما تعلم و يشربه و يصبر على مرارته و يكون شربه في وقته بعد تقديم الأحتماء و جميع شروطه، و اذا فعل جميع ذلك كلّه فهو على خطر من شفائه فكيف اذا لم يشربه اصلا، هكذا الفقيه اذا أحكم علم الطاعات و لم يعمل بها، و احكم على المعاصي و لم يجتنبها، و أحكم علم الأخلاق المذمومة و ما زكى نفسه منها، و احكم علم الأخلاق المحمودة و لم يتصف بها فهو مغرور في نفسه مخدوع عن دينه، و قد يغرّه الشيطان فيقول له ما انت و هذا المثال لأنّ مطلبك القرب من اللّه تعالى و يتلو عليه الأخبار الواردة في فضائل العلم و لم يعلم ما وصف اللّه به العالم التّارك لعلمه كقوله تعالى في وصف بلعم بن باعور الذي كان في حضرته اثنا عشر ألف محبرة يكتبون عنه العلم مع ما آتاه اللّه من الآيات المتعددة التي كان من جملتها انّه كان بحيث اذا نظر يرى العرش، كما نقله جماعة من العلماء، فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث، فاذن المطلوب من العالم انّما هو العلم و العمل.