الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٩٣
الذي لم يخلع عليه و لم يعطه شيئا كثيرا أقبل عند اهل العقل و الكمال من خدمة الآخر؛ و هذا الوجه في الحقيقة يرجع إلى الوجهين الأولين.
و لنرجع إلى الكلام الأول فنقول: للفقير قانون شرعي في باطنه و ظاهره و مخالطته و أفعاله، امّا الباطن فأن لا يكون فيه كراهة لما أورده اللّه سبحانه عليه من الفقر يعني لا يكون كارها له من حيث أنّه فعل اللّه سبحانه، و إن كان كارها له من حيث التألّم به و ذلك كالحجّام فإنّ المحجوم و إن كان كره فعله من حيث الألم لكن من حيث أنّه فعل الحجّام براد له، و يرى أنّ للحجّام المنّة عليه بذلك؛ و هذا المعنى واجب و نقيضه حرام محبط للأجر، و ألى هذا الاشارة بقوله ٦ يا معشر الفقراء اعطوا اللّه الرضا من قلوبكم تضفروا بثواب فقركم، و إلا فلا؛ و ارفع من هذا أن لا يكون كارها للفقر بل يكون راضيا به، و أعلى منهما أن يكون طالبا لعلمه بغوائل الغنى.
و روي عن على ٧ أنّ للّه عقوبات و مثوبات بالفقر فمن علامات الفقر إذا كان مثوبة إن يحسن عليه خلقه، و يطيع به ربّه و لا يشكو حاله و يشكر اللّه تعالى على فقره، و من علامة ان يكون عقوبة ان يسوء عليه خلقه و يعصي ربّه و يكثر الشكاية، و يتصخت القضاء، و هذا يدل على أن الفقر المحمود ذلك الفرد إذ قيل ما أعطي عبد شيئا من الدنيا إلا قيل له خذه على ثلاثة أثلاث: شغل، و همّ، و طول حساب و أمّا الظاهر فبأن يظهر التعفف و التجمل و لا يظهر الفقر و الشكوى؛ ففي الحديث أنّ اللّه تعالى يحب الفقير المتعفف أبا العيال، و إذا أراد إظهاره فلا بظهر إلا لأخ في الأيمان لأنّ الشكوى إليه ربّما ترتب عليها بعض الفوائد، و لا بدّ من شكوى إلى ذي صبابة يواسيك أو يسليك أو يتوجع، و لأن المحن و زحمات القلوب ربما كان القلب لا يطيق تحملها كما لا يطيق تحمل غيرها.
روي عن جابر بن يزيد الجعفي قل حدثني أبو جعفر ٧ سبعين ألف حديث لم أحدث بها احدا و لن أحدث بها أحدا أبدا، قال جابر قلت لأبي جعفر ٧ جعلت فداك إنّك قد حمّلتني وقرا عظيما بما حدثتني به من سركم الذي لا أحدث به أحدا فربّما جاش في صدري حتى يأخني منه شبه الجنون، قال يا جابر إذا كان كذلك فاخرج إلى الجبّانة فاحفر حفيرة و دلّ رأسك فيها ثمّ قل حدّثني محمد بن على بكذا و كذا؛ فإنّ الأرض تحمل حديثنا، فإذا كانت القلوب لا تطيق حمل العلوم مع كونها لذة محضة فكيف تطيق حمل أثقال الهموم و الغموم التي صرعت مثل أمير المؤمنين ٧ في قوله ٧ صارعني الفقر فغلبني[١]
[١] ينسب إلى أمير المؤمنين( ع) قوله:\sُ صارعت كل كريهة فغلبتها\z و الفقر صارعني فأصبح غالبي\z إن أخفه يقتل إن أبده يفضح\z فيا عسا له من صاحب\z\E