الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١١٤
الثاني انّ سببه اختياري و هو تحقيق أحوالهم و الأطلاع على بعض محاسنهم و ما آتاهم اللّه تعالى من درجات الكمال فيدخل تحت الأختيار لدخول سببه كما تقدم في ندم التوبة.
الثالث انّ اللّه سبحانه اذا فطر المؤمن على جبلة من الخير و انشأة عليها لعلمه بأنه أهل لها تفضّل عليه بالثواب، فيكون من باب الثواب التّفضلي لا الأستحقاقي، فانّ الأنسان اذا فكر في اكثر الصفات يرى ان الجبلة او الفطرة لها مدخل عظيم فيها، و انّه من نعمه سبحانه التي نشأ الخلق عليها، و امّا كمالها و فروعها فمن اختياره و سعيه و امّا محبة اهل اللّه من المؤمنين و الصلحاء فهو و ان لم يدخل تحت الأختيار ايضا الا انّ اسبابه و دواعيه ممّا حصّلها بسعيه و كدّه بسبب الأيمان و ارتكابه الأعمال، و انّه جعل نفسه من جنس الصالحين و الجنس الى الجنس أميل.
امّا الدرجة الثالثة و هي الخلة فانّما يحصل التمكن الذي فيها من مصادفته الخالي و ذلك انّ القلب حصن البدن فمن دخله ملك مالك البدن و جرت علي او امره و نواهيه جميع جنوده و عساكره و هي الأعضاء و الدّواعي و الأرادات، فاذا كان ذلك الحصن خاليا و دخله سلطان من غير احتياج الى معركة و حرب كان تمكّنه فيه اكثر، و مال الى احداث الآثار فيه لظنّه انّه بيته و منزله، و لا يدخل اليه ما يعارضه و ينازعه فيه، و من ذلك ترى الحبّ اذا وقع و في ايّام الشباب و وقت الطفولة يكون تمكنه في القلوب اشدّ و اعظم ممّا وقع في وقت آخر
|
أتاني هواها قبل ان اعرف الهتتوى |
و صادف قلبا خاليا فتمكنا |
|
فيه المتعاندات
|
قد صيغ قلبي على مقدار حبكم |
فما لغير هواكم فيه متسع |
|
و هذه الدرجة في الحب الحقيقي هي درجة الخليل ٧ و به سمّي الخليل مأخوذ من الخلال كأنّ المحبوب قد تداخل في خلال الحبيب و اعماق بدنه، و ذلك انّ الخليل ٧ لمّا خيف عليه من النّمرود فمضت به امّه الى كهف جبل و ألقته في مغارته، و صارت تختلف اليه في كل اربعين يوما مرّة و ربّما كان أزيد، و كان اللّه سبحانه هو الذي تولى تربيته، فلمّا نشأ رأى انه لا أحد متكفل به سواه تعالى فلم يشغل قلبه بحب الآباء و الأمهات لأجتنابهم له و بعدهم عنه فكان قلبا خاليا قد صادف ذلك الهوى فتمكن فيه، و كذا وقع مثل هذا لنبينا ٦ حيث انه تعالى اوقعه في اليتم و إنه و لم ير له مربّيا سواه تعالى فصغر على الحب و كبر عليه و لم يجعل سبحانه لأحد من ابويه حقا عليه، فمن هذا سلبه ابويه من صغره كما ورد في الروايات.
و اما المرتبة الرابعة و هي العشق فاشتقاقه من العشقة و هو نبت يلتف على الشجرة من أصلها الى فرعها، فهو محيط بها كما انّ العشق محيط بمجامع القلب، و اما اشتغال النفس بهذه