الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٩٥
و ينبغي ان لا يدخره مالا بل ياخذ قدر الحاجة و يخرج الباقي و الإدخار على ثلاث مراتب؛ أحدهما أن لا يدخر إلا ليومه و ليلته و هي درجة الصدّقين، و الثانية أن يدخر لأربعين يوما لأن ما زاد داخل في طول الأمل كما فهمه العلماء من ميعاد اللّه تعالى لموسى ٧ و هذه رتبة المتقين: و الثالثة أن يدخر لسنة و هي رتبة الصالحين، قال الصادق ٧ إنّ النفس اذا احرزت قوت سنتها أستقرت و ما زاد على ذلك فهو همّ و غمّ و خروج عن الوثوق بفضل اللّه سبحانه.
و امّا آداب الفقير في قبوله للعطاء بغير سؤال فهو ثلثه أيضا، الأول لا يلاحظ الفقير نفس المال و هو كونه حلالا خاليا عن الشبهات فأنّ البعد عن الشبهات درجة الصالحين، الثاني ان يلاحظ غرض المعطي و هو أمّا أن تطيب قلب الفقير و طلب محبته و هو الهدية، أو الثواب و الصدقة و الزكاة او الذكر و الرياء و السمعة أمّا على التجرد أو ممزوجا ببقية الأغراض، أما الأول و هو الهدية فلا بأس بقبولها فإن قبولها سنة رسول اللّه ٦: و لكن ينبغي أن لا يكون فيها منّة؛ فإنّ علم أنّ بعضها مما يعظم فيه المنّة فليرد البعض دون البعض.
فقد أهدي إلى النبي ٦ سمن و أقط و كبش، فقبل السمن و الأقط و رد الكبش و كان يقبل من بعض الناس و يرد على بعض، حتى قال لقد هممت أن لا أتهب إلا من قرشي أو ثقفي أو دوسي، و أمّا إذا كان غرض المعطي الثواب المجرد كصدقة أو زكاة فعلى الفقير أن ينظر في صفات نفسه أنّه هل هو من اهل الإستحقاق لها أم لا، و إن كانت صدقة و كان يعطيه لدينه و لظاهره من الصلاح فلينظر هو إلى باطن نفسه فإن كان مقارفا (متقا) لمعصية في السر و يعلم انّ المعطي لو علم ذلك لنفر طبعه و لما تقرب إلى اللّه تعالى بالتصدق عليه فهذا حرام كما قيل، و ذلك كما لو عطى هو لظنّه أنه عالم أو علوي و لم يكن فإنّ أخذه لا شك في حرمته، و قد يكون غرض المعطي الشهرة و الرياء فينبغي للفقير ان لا يأخذ لئلا يكون معينا له على ذلك الغرض الفاسد، و عوتب بعضهم في رد ما كان يأتيه من صلة؛ فقال إنّما أردت صلتهم إشفاقا و نصحا لهم لأنّهم يذكرون ذلك و يحبون أنت يعلم يعلم به فتذهب اموالهم و تحبط اجورهم؛ فإذا علم الفقير هذه الأمور و خلّو ذلك المال منها فليأخذ ما أعطوه؛ كما روى عنه ٦ قال ما المعطي من سعة بأعظم اجرا من اليخذ إذا كان محتاجا، و من أتاه شيء من هذا المال من غير مسألة و لا إستشراق فإنّما هو رزق ساقه اللّه إليه.
و قال الصادق ٧ تارك أخذ الزكاة و قد وجبت له كتارك دفعها و قد وجبت عليه، و قال رسول اللّه ٦ لا حق لابن آدم إلا في ثلاث: طعام يقيم صلبه