الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٩٢
يا رسول اللّه إنّ الأغنياء ذهبوا بالحسنة يحجون و لا نقدر عليه و إذا مرضوا بعثوا بفضل أموالهم ذخيرة لهم فقال النبي ٦ بلّغ عني الفقراء إنّ لمن صبر و احتسب منكم ثلاث خصال ليست للأغنياء أمّا خصلة واحدة فإنّ في الجنة غرفا ينظر إليها أهل الجنة كما ينظر اهل الأرض إلى نجوم السماء لا يدخلها إلا نبي فقير أو شهيد فقير، او مؤمن فقير، و الثانية يدخل الفقراء الجنّة قبل الأغنياء بنصف يوم و هو خمسمائة عام؛ الثالثة إذا قال الغني سبحان اللّه و الحمد للّه و لا إله الا اللّه و اللّه أكبر؛ فقال الفقير مثل ذلك لم يلحق الغني بالفقير و إن أنفق فيها عشرة آلاف درهم؛ و كذلك أعمال البر كلها؛ فرجعا اليهم فقالوا رضينا رضينا.
فإن قلت كيف فضل تسبيح الفقراء على تسبيح الأغنياء مع أنّ كلا منهما طاعة له تعالى كما هو المفروض و ليس في لأحدهما رياء، قلت الجواب عن هذا من وجوه الأول أن أفضل أفراد الغني هو الذي ينفق في سبيل اللّه تعالى واجباته و مستحبانه و مع هذا فصاحبه في أمن من الدنيا مستشعرا راحة بذله و هو مما يورث الإنس لهذا العالم و الوحشة من الآخرة؛ و بقدر ما يستأنس العبد بالدنيا يستوحش من الآخرة لأنّهما كالمشرق و المغرب بقدر ما تقرب من أحدهما تبتعد من الآخر؛ و مهما إنقطعت اسباب الأنس بالدنيا تجافى القلوب عن الدنيا و زهرتها؛ و القلب إذا تجافى عن ما سوى اللّه عز و جل و كان مؤمنا باللّه إنصرف لا محالة إلى اللّه، إذ لا يتصور قلب فارغ، و ليس في الوجود إلا اللّه، فمن أقبل على غيره تجافى عنه و من أقبل عليه تجافى عن غيره؛ فالغني قلبه مشغول بماله و محبته كامنة فيه كمون النار في الأحجار، فعلاقة الفقير و أنسه في الدنيا أضعف و بقدر ضعف علاقته يتضاعف ثواب تسبيحاته و عباداته، فإن حركات اللسان ليست مرادة لأعيانها بل ليتأكد بها الإنس بالمذكور، فلا يكون تأثيره في إثارة الأنس في قلب فارغ من غير المذكور كتأثيره في قلب مشغول، و لذلك قيل مثل من تعبد في طلب الدنيا مثل من يطفى النار بالحلفاء، و مثل من يغسل يده من الغمر بالسمك و من دخل السوق فرأى شيئا يشتهيه فصبر و احتسب كان خيرا له من ألف دينار أنفقها كلها في سبيل اللّه عز و جلّ.
الثاني أنّ داعي الفقير إلى العبادة غايب و داعي الغنى حاضر لأنّ من دواعيه إلى العبادة إتمام النعمة عليه فهو ناظر إلى قوله تعالى و لئن شكرتم لازيدنكم؛ فداعي الغني الذي ينشطه على العبادة حاضر موجود بخلاف الفقير فإنّه لا داعي له كذلك، فاعتماده على غايب دليل على قوة إيمانه و وفور إخلاصه.
الثالث أنّ مثل الفقير العابد و الغني العابد مثل مولى له مملوكان فخلع على احدهما و كساه و لم يخلع على الآخر و لم يكسه و كلاهما مشغول بخدمته؛ فلا ريب أنّ خدمة ذلك العبد