الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٩
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى و لم يقل في هذا المقام أسرى برسوله، مع انّها الحالة الّتي امتاز بها عن سائر الأمة.
و وجه ذلك انّ العبودية نسبة بين العبد و مولاه و الرّسالة نسبة بين النبي و أمتّه و هو كونه رسولا اليهم، و لا ريب في اشرفيّة النسبة الأولى لمكان طرفيها، و لأنها النسبة المقصودة بالذات، و أما الرسالة و ما شابهها فهي نسبة عرضية لا ذاتية، و من ذلك كانت الأولى هي المقدمة في الوجودين فانّه عزّ و جلّ لم يرسله الى الأمة الّا بعد اربعين سنة، و هي مدة سيره في تحصيل كمال العبودية فانه ترقى فيها حتى اخبر عنه بقوله فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى، و لما كمل في تلك الدرجة أهبه منها الى درجة سافلة و هي الرسالة، فقال عزّ من قائل (انا انزلنا اليكم ذكرا رسولا) ففي قوله انزلنا اشارة الى هذا الإنزال المعنوي و هو من درجة الى درجة، و ليس المراد الأنزال الحسي لأنّه لم يكن في السماء حتى ينزل الى الأرض بل كان بين ظهرانيهم و ما كان أشق هذا الأنزال عليه لأنه كان في الدرجة الأولى يحاكي جناب القدس في عالم الملكوت، و قد صار هذا لشيء عجاب، فانّهم كانوا يعبدون ثلاثمائة و ستين صنما، و لما أنزل ٦ اليهم أمرهم بالتوحيد فاظهروا هذا التعجب من قوله، و قد حصل له من ردّهم عليه مقالته تعب عظيم و ألم جسيم، و تعب القلب اشدّ من ضرب السيوف لأنّه من ربّى اربعين سنة في حجر جبرئيل ٧ و كان المعلم له رب الملكوت فأدّبه بآدابه و اطّلعه على مراتب جبروته، ثم تنزل من هذا كله حتى أمر بمعاشرة أجلاف العرب و اهل ترك الأدب مع فرط روحانيّتة و لطافة قدسيته كان عليه هذا أثقل من الجبال الرواسي لو لا امره سبحانه له بمثله.
و في الروايات ان سليمان ٧ لما أراد تأديب الهدهد أمر به فحبس مع الحدأة في قفص واحد، فلما رأى حاله معها طلب من سليمان ان يخرجه من القفص و ان يعذّبه في كلّ ما أراد من أنواع العذاب فقد كان أخف عليه، و من هنا قال سبحانه مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ، و لم يقل فقد أحرقته او عذبته، و ذلك انّ الخزي عذاب الروح و الإحراق عذاب البدن و عذاب الروح اشدّ و افضع لو كانوا يشعرون، و روي ايضا انه سأل ٧ عن الحمل الثقيل يحمله الرجل رأسه فلا يثقل عليه كثيرا و يرى الرجل المكروه يجلس على بعد من الأنسان و يكون ثقله و مشقّته عليه أعظم من ذلك الحمل الثقيل فقال ٧ انّ الحمل الثقيل يحمله البدن و الرجل المكروه تحمله الروح و هي انّ من الذنوب ذنوبا قد تناهت في العظم فلا يكفّرها الا الهمّ و الغمّ و الصّبر على المصائب و ذلك لأنّه عذاب الروح فيكون مكفر الذنوب البدن او شهواته الحيوانيّة و اذا حقّقت هذا.