الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٢٤
و روي اهل السّر و التواريخ انّ كسرى انوشيروان قد ظلم في أوّل حكمه كثيرا حتى بلغ ظلمه الى رجل راهب كان يعبد اللّه في صومعته، فكتب العابد اليه كتابا بسم اللّه الرحمن الرحيم ملكتم فأسأتم، و وضع عليكم فضيّقتم، نسيتم سهام الأسحار و هي صائبة خصوصا اذا خرجت من قلوب قد اوجعتموها و اجساد قد أعريتموها و أجفان عين قد أجريتموها، فأعملوا ما شئتم فأنا صابرون و جوروا فانّا بعزة اللّه واثقون، و سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
و ينبغي يعلم نيّات الملوك و الولاة له مدخل في زيادة معائش الرعية و نقصانها، و روى الكليني عن ابيه قال خرج كسرى في بعض ايّامه للصيد فعنّ له صيد فتبعه فانقطع عن اصحابه، فرفع له كوخ فقصده فاذا عجوز بباب الكوخ جالسة، فقالت له أنزل فنزل و دخل الكوخ فاذا ابنة العجوز قد جاءت و معها بقرة، فأدخلتها الكوخ و كسرى ينظر و قال في نفسه:
ينبغي ان نجعل على كل بقرة اناوة فهذا حلّاب كثير، فلمّا مضى من الليل شطره قالت العجوز يا فلانة قومي الى البقرة فاحلبيها فقامت الى البقرة فوجدتها حائلا فنادت امّها يا اماه قد اضمر لنا الملك شرّا قالت و ما ذلك؟ قالت لأن هذه البقرة حائل و ما تدرّ بقطرة، فقالت لها امّها امكثي فانّ عليك ليلا، فقال كسرى في نفسه من أين لها انّي اضمرت في نفسي الشر اما انّي لا أفعل ذلك، قال فمكثت قليلا ثم نادتها يا بنية قومي احلبي البقرة، فقامت اليه فوجدتها حاملا، فحلبتها و أقبل الصبح و تتبّع الرجال كسرى أثره حتى أتوه، فركب و امر بحمل العجوز و ابنتها اليه فحملتا فأحسن اليهما، و قال كيف علمت ان الملك قد اضمر شرّا و ان الشر الذي قد اضمره قد عدل عنه؟ قالت العجوز انا بهذا المكان من كذا و كذا ما عمل فينا بعدل الا أخصب بلادنا و اتّسع عيشنا، و ما عمل فينا بجور الا ضاق عيشنا و انقطعت موادّ النفع عنا.
و في كتاب عجائب المخلوقات انّ ريحان الفارسي و هو الأخضر لا الذي يميل الى الحمرة لم يكن قبل كسرى انوشيروان و انما وجد في زمانه، و سببه انّه كان ذات يوم جالسا كفوّا عنها فانّي أظنها مظلومة، فمرت تنساب حتى استدارت على فوهة بئر، فنزلت فيها ثم أقبلت تتطلع فنظروا فاذا في قعر البئر حية مقتولة و على ظهرها عقرب اسود، فأدلي بعضهم رمحه الى العقرب فنخسها به و أتى الملك فخبّره بحال الحية، فلما كان في العام القابل أتت الحيّة في اليوم الذي كان كسرى جالسا فيه للمظالم و جعلت تنساب حتى وقفت و لفظت من فيها بذرا اسود، فأمر الملك ان يزرع فنبت منه اليرحان، و كان الملك كثير الزكام و أوجاع الدماغ فاستعمل منه و نفعه جدّا، فانظر الى عدل هذا الملك اين بلغ، على انّ النبي ٦ قال ولدت في زمن الملك العادل يعني به كسرى.