الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٥
مغتاظ على من لا ذنب له و قد اتفق العقلاء على ان الحسد مع انه رذيلة عظيمة للنفس فهو من الأسباب العظيمة لخراب العالم اذا كان الحاسد كثيرا ما يكون حركاته و سعيه في هلاك ارباب الفضائل و اهل الشرف و الأموال الذين تقوم بوجودهم عمارة الأرض اذ لا يتعلق الحسد بغيرهم من اهل الخسة و الفقر.
و اما الغبطة المحمودة فهي انّك لا تتمنى زوال تلك النعمة عنه و لكّنك تشتهي لنفسك مثلها كما قال الصادق ٧ انّما نغبطكم يا أهل العراق على الأرز.
الثاني في الأسباب المثيرة للحسد و قد حصروها في سبعة: العداوة و التعزز و التكبر و التعجب و الخوف من فوت المقاصد و حب الرئاسة و خبث النفس و بخلها فانه انما يكره النعمة عليه اما لأنه عدوه لا يريد له الخير و هذا لا يختص بالأمثال و اما لأنه يخاف ان يتكبر بالنعمة عليه و هو لا يطيق احتمال كبره و عظمته لعزة نفسه و هو المراد بالتعزز و اما ان يكون في طبعه ان يتكبر على المحسود و يتمنع ذلك عليه بنعمته و هو المراد بالتكبّر و اما ان تكون النعمة عظيمة و المنصب كبيرا و يتعجب من فوز مثله بمثل تلك النعمة و هو التعجب و اما ان يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمته بأن يتواصل به الى مزاحمته في اغراضه و اما أن يكون لحب الرئاسة التي تبتنى على الأختصاص بنعمة لا يساوي فيها، و اما ان لا يكون بسبب من هذا الأسباب بل بخبث النّفس و شحّتها بالخير لعباد اللّه.
و قد أشار سبحانه الى السّبب الأوّل بقوله وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ و الى الثالثة بقوله (لو انزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم،) أي كان لا يثقل علينا الأنقياد لأنهم قالوا كيف يتقدم علينا غلام يتيم، و الى الرابعة بقوله ما أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا، و أعظم الأسباب فساد الخامس و السادس لتعلقهما غالبا بعلماء السوء و مناط الخامس يرجع الى متزاحمين على مطلوب واحد و من هذا الباب تحاسد الضّرات في التّزاحم على مقاصد الزوجية.
الثالث في بيان الدواء الّذي ينقي مرض الحسد عن القلب الا بالعلم و العمل، و العلم النافع لغرض الحسد هو ان يعلم يقينا ان الحسد ضرر عليك في الدنيا و الدين و لا ضرر به على المحسود في الدنيا و لا في الدين بل ينتفع به فيها فيه و مهما عرفت هذا عن بصير و لم تكن عدوّ نفسك و صديق عدوّك فارقت الحسد لا محالة و ما أحسن ما قيل:
|
لا مات أعداؤك بل خلدوا |
حتى يروا منك الذي يكمد |
|
|
لا زلت محسودا على نعمة |
فانّما الكامل من يحسد |
|