الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٢
تغليظه ان تطهير الثياب و الأبدان منها يحتاج الى الغسل مرتين، كما ورد في ازالة البول ايضا و انّها يخرج من طريقين نجسين بالبول فيكون حاله ضمّ نجاسة الى نجاسة، و اما الجيفة الأخيرة و هي ميتته فإنها أخسّ و أخبث من ميتة الكلب و النزير، و ذلك ان كل من مس ميتة الكلب لم يوجب الشارع عليه غسلا و اما من مسّ جلد الميت فقد أوجب عليه تطهير كلّ بدنه مبالغة في خبث جيفته و في اجتناب الناس له، حتى يعتبر الأحياء برؤية الأموات، و قد ألقى أيضا على جيفته و هو في عالم الحياة فهي اظهر من ان تذكر، و حاله في الدّنيا أخسّ من حمار قد حمل جوالقا من العذرة.
و العجب انّه لو مرّ على مثل هذا الحمار لتنفّس منه و بعد عنه و لعن الحمار و شم صاحبه و لم يتفكر في انّ هذا البلاء الذي قد اصاب الحمار انّما هو منه و الّا فالحمار أنّى له و العذرة، فها قد تراوحا على الجوالق، فقد كان الحامل له اوّلا هذا الرجل الظّريف الذي يقبض الآن على انفه منه، ثمّ لمّا عجز عن حمله و لم يطقه رمى ذلك الجوالق على الحمار الفقير فأخذ الحمار ليبعد عنه، فذلك الجوالق قد تراوح عليه حماران إن كنت تعقل.
و قد رأيت بخطّ شيخنا الشيخ بهاء الدين قدّس اللّه زكيّ تربته هذين البيتين و هما من قوله:
|
و ثورين أحاطا بهذا الورى |
فثور الثّريّا و ثور الثّرى |
|
|
فهم (و هم) فوق هذا و من بين ذا |
حمير مسرّحة في القرى |
|
و لعمرك انّهم اخس من الحمير و الثيران، فقد حكى سبحانه عن جماعة قصروا في القيام بوظائف العبوديّة فقال: و ان هم الّا كالأنعام بل هم أضل سبيلا، و ذلك انّ الأنعام تهرب من الضار لها و تقبل على من قصد ايصال النفع اليها بخلاف الأنسان فأنّه يهرب عمّن قصد نفعه و هو الذي ربّاه صغيرا و رزقه كبيرا، و يقبل من أراد ضرره و هم شياطين الجنّ و الأنس، فقد قال سبحانه وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ و انت تهرب عمن يدعوك الى دار السّلم و تقبل على من يدعوك الى طبقات النيران، و في الحديث انّ اهل النّار اذا دخلوها دخل الشيطان فيوضع له منبر من نار و يلبس ثيابا من نار، كما قال سبحانه فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيابٌ مِنْ نارٍ فيرقى فوق المنبر ثم يأخذ في السخرية و الأستهزاء على من تحت منبره، فتضجّ اهل النار بلعنه و سبه، فيقول لهم أنصتوا لكلامي، فيقول أيّها الجهّال ان اللّه تعالى ارسل اليكم مائة ألف نبي و أربعة و عشرين ألف نبي يدعونكم الى تلك الجنّة العالية فلم تقبلوا قولهم و أنا دعوتكم وحدي الى هذه النار الشّديدة العذاب فأطعتموني فلا تلوموني و لوموا أنفسكم.