الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٠١
أرني الدنيا كما أريتها الصالحين من عبادك، و ذلك أنّ اللّه تعالى يراها حقيرة كما هي، و امأ العبد فيراها حقيرة في حق نفسه بالإضافة إلى ما هو خير له؛ و هذا هو الزهد فلا بد في الثواب من أن تكون محبوبة له في نفسها حتى يتركها إلى غيرها؛ و ليس من الزهد ترك المال و بذله لى سبيل السخاء و الفتوّة و على سبيل استمالة القلوب و إن كان كل ذلك من محاسن العادات و لا مدخل له في العبادات، و إنّما الزهد ان تترك الدنيا لعلمك بحقارتها بالإضافة إلى نفاسة الآخرة، أما كل نوع من الترك فإنّه يتصور ممن لا يؤمن بالآخرة.
و أما الاخبار الواردة في فضيلة الزهد فكثيرة جدا، ففي الرواية عنه ٦ و سلم من أصبح و همّه الدنيا شتت اللّه عليه امره و فرّق عليه ضيعته، و جعل فقره بين عينيه و لم يأته من الدنيا إلا ما كتب اللّه له، و من اصبح و همّه الآخرة جمع اللّه همّه و حفظ عليه ضيعته، و جعل غناه في قلبه و اتته الدنيا و هي راغمة، و قال إبراهيم بن أدهم لشقيق بن إبراهيم حين قدم عليه من خراسان كيف تركت الفقراء من أصحابك؟ قال تركتهم إن أعطوا شكروا و إذا منعوا صبروا؛ و ظنّ أنّه لمّا وصفهم بترك السؤال فقد أثنى عليهم غاية الثناء، فقال إبراهيم هكذا تركت كلاب بلخ عندنا؛ فقال شقيق فكيف الفقراء عندك يا ابا إسحاق؟ فقال الفقراء عندنا إن منعوا شكروا و إذا أعطوا أثروا، فقبّل رأسه فقال صدقت يا أستاذ و أمّا تفاصيل الزهد و درجاته بالإضافة ألى نفسه فثلاث: الأولى ان يزهد في الدنيا و هو لها مشته و قلبه إليها مايل و لكنّه يجاهد نفسه و يكفذها؛ و هذا يسمى المتزهد و هو مبدأ الزهد، و هذه هي الدرجة السفلى و صاحبها على خطر، فإنّه ربما تغلبه نفسه على العود إلى الدنيا.
الثانية الذي يترك الدنيا طوعا لإستحقاره إياها بالإضافة إلى ما طمع فيه كالذي يترك درهما لأجل درهمين فإنّه لا يشق عليه ذلك، و هذا الزاهد يلتفت إلى زهده و يظن أنّه ترك شيئا له قدر إلى ما هو أعظم قدرا منه؛ و ربّما أعجب بنفسه و زهده.
و الثالثة و هي العليا التي يزهد طوعا و يزهد في زهده و لا يرى أنّه ترك شيئا إذا عرف أنذ الدنيا لا شيء، فيكون عند نفسه كمن ترك خزفة و اخذ جوهرة فإنّه لا يرى أنّ هذا معاوضة و أنّه ترك شيئا بالإضافة إلى اللّه تعالى و إلى نعيم الآخرة؛ قيل و مثل من ترك الدنيا للآخرة عند أرباب القلوب و أهل المعرفة مثل من أراد الدخول على السلطان فمنعه كلبه عن الدخول، فرمى إليه لقمة خبز فشغله بها فدخل على السلطان و نال على أعلى درجات القرب منه أ فتراه يقدر أن يمنّ على الملك بأنّي أعطيت كلبك لقمة خبز حتى أنّك بلّغتني هذه الدرجة، فالشيطان كلب على باب اللّه تعالى يمنع النّاس من الدخول مع أنّ الباب مفتوح و الحجاب مرفوع، و الدنيا كلقمة خبز بل