الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٦٠
و لو اجتمع مفتيان او اكثر ممّن يجوز استفتاؤهم فان اتفقوا في الفتوى أخذ المستفتي بها، و ان اختلفوا وجب عليه الرجوع الى الأعلم الأتقى، و ان اختلفوا في الوصفين رجع الى اعلم الورعين و أورع العالمين، فان تعارض الأعلم و الأورع قدّم الأعلم في التقليد امّا لو كان المفتي ميتا فهل يجوز تقليده مع وجود الحي اولا معه؟ للجمهور اقوال اصحّها عندهم جوازه مطلقا لأنّ المذاهب لا تموت بموت اصحابها و لهذا يعتدّ بها بعدهم في الإجماع و الخلاف، و انّ موت الشّاهد قبل الحكم بشهادته لا يمنع الحكم بشهادته بخلاف فسقه.
و الثاني لا يجوز مطلقا لفوات اهليته بالموت و لهذا ينعقد الإجماع بعده و لا ينعقد في حياته على خلافه و هذا هو المشهور بين أصحابنا خصوصا المتأخرين منهم، و الذي استوجهناه في تضاعيف هذا الكتاب هو جواز تقليد المجتهد الميّت لأنّ كلّ ما دلّ على جواز تقليد المجتهد الحيّ يدل على جواز تقليد المجتهد الميّت خصوصا شيخنا المحقق قدس اللّه روحه في كتابه الشّرائع و المعتبر فانّه نقل (ينقل) متون الأخبار في اكثر المسائل بخلاف العلّامة طاب ثراه فانّه كثير الإجتهاد و الفتوى.
الفائدة العاشرة في المناظرة و آدابها، اعلم انّ المناضرة في احكام الدين من الدين، و ينبغي ان يقصد بها اصابة الحق و طلب ظهوره كيف اتفق لا ظهور عزارة علمه و صحة نظره فانّ ذلك من أقبح القبائح، و من آيات هذا القصد ان لا يوقعها الّا مع رجاء المباشرة، فأما اذا علم عدم قبول المناظرة للحق و انه لا يرجع عن رأيه و ان تبين خطاؤه فمناظرته غير جائزة، و شرط المناظرة في الدين ان يكون مجتهدا يفتي برأيه لا بمذهب أحد حتى اذا بان له الحق على لسان خصمه انتقل اليه، فأما من لا يجتهد فليس له مخالفة مذهب من يقلّده فأيّ فائدة له في المناظرة.
و ينبغي ان يناظر في واقعة مهمة او في مسئلة قريبة من الوقوع و المهم ان يبيّن الحق و لا يطول الكلام زيادة على ما يحتاج اليه في تحقيق الحق، و ان يكون المناظرة في الخلوة احب اليه منها في المحفل و الصدور فانّ في حضور الخلق ما يحرك دواعي الرياء و الحرص على الإقحام و لو بالباطل، و ينبغي ان لا يمنع مفتيه من الإنتقال من دليل الى دليل و من سؤال الى سؤال بل يمكنه من ايراد ما يحضره و يخرج من كلامه ما يحتاج اليه في اصابة الحق، فان وجده في جملته او استلزمه و ان كان غافلا عن اللزوم فليقبله و يحمد اللّه تعالى فانّ الغرض إصابة الحق، و ان كان في كلام متهافت اذا حصل منه المطلوب، و اما قوله قد تركت كلامك الأول و ليس لك ذلك و نحو ذلك من أراجيف المناظرين فهو محض العناد، و اما آفات المناظرة فهي أكثر من ان تذكر فلا ينبغي الوقوع فيها و قبولها الّا عند الإضطرار اليها.