الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٠٤
و دخل رجل على أبي ذر فقال يا أبا ذر ما أرى في بيتك متاعا و لا غير ذلك من الاثاث، فقال إنّ لنا بيتا نوجه صالح متاعنا إليه، فقال إنّه لا بدّ لك من متاع ما دمت هيهنا، فقال، نّ صاحب المنزل لا يدعنا فيه، و فرشت عائشة للنبي ٦ فراشا جديدا و قد كان ٦ ينام على عباءة مثنية فما زال يتقلّب ليلته، فلمّا اصبح قال لها أعيدي العباءة الخلقة و نحّي هذا الفراش عني قد أسهرني الليلة.
و منها المنكح و كان أزهد الناس النبي و الأئمّة عليهم السّلام و قد نكحوا النساء، لكن الحق أنّهم كانوا عالمين بعدم شغل النساء لهم عن اللّه سبحانه، و الأولى في الزهد الأقتصار على واحدة طلبا للنسل و حرصا على سنته ٦ و ما ورد فيه من الثواب، و بالجملة فما يحتاج إليه الأنسان في حفظ الحياة مما لا ينافي الزهد بل يؤكده و يحققه، روي أنّ الخليل أصابته حاجة فذهب إلى صديق له يستقرضه شيئا فلم يقرضه فأوحى اللّه تعالى إليه لو سألت خليلك لأعطاك، فقال يا رب عرفت مقتك للدنيا فخفت أن أسألك منها شيئا؛ فأوحى اللّه تعالى ليس الحاجة من الدنيا.
و روى الكليني طاب ثراه انّ رجلا سأل عن علي بن الحسين ٧ عن الزهد فقال عشرة أشياء فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع، و أعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين، و اعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا، ألا و إنّ الزهد في آية من كتاب اللّه: لكيلا تأسيوا على ما فاتكم و لا تفرحوا بما آتاكم؛ هذا مجمل الكلام في الزهد.
و أمّا التوكل فهو مقام عظيم و مسلك من مسالك الموقنين، و قد صرّحت به الأخبار النبويّة و الآيات القرآنية، قال ٦ لو أنّكم تتوكلون على اللّه حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير، تغدو خماصا و تروح بطانا، و اما الخليل ٧ فروي أنّ جبرئيل ٧ جاء إليه و قد رمي إلى النّار من المنجنيق فقال له الك حاجة؟ فقال إمّا إليك فلا قال له اسأل ربّك حتى ينجيك من نار نمرود، قال يكفي علمه بحالي عن سؤالي، فرجع جبرئيل فقال تعالى للنار كوني بردا و سلاما على إبراهيم، و هذا كان فائدة توكله على مولاه.
و اعلم أنّه او ادعى رجل دعوى لبّسها على رجل آخر و أراد الرجل المدعى عليه أن يوكل وكيلا في رفع تلبيس دعوى ذلك الرجل الآخر لعلمه أو ظنّه بأنه هو لا يقدر على جواب تلك الدعوى الملبسة فهو يقصد أن يكون في الوكيل نهاية الهداية و القوّة و الفصاحة و الشفقة، أما الهداية فليعرف بها مواقع التلبيس، و أما القوّة فليستجري على التصريح بالحق و لا ياهن و لا يجبن، و أمّا الفصاحة و هي قدرة اللسان فليكون بها قادرا على حلّ عقدة التلبيس، و أمّا غاية الشفقة فليكون بها باذلا كل مجهوده في حقّه؛ فإن كان شاكا في هذه الأربعة أو في واحد أو جوّز أن يكون