الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٥٤
و الكفاية على تفصيل فقد وجب في هذا الزمان على الأعيان مطلقا، لأنّ فرض الكفاية اذا لم يقم به من فيه كفاية يصير كالواجب العيني في مخاطبة الكل و تأثيمهم و ينبغي له ان يترك المعاشرة مع من يشغله عن مطلوبه فانّ تركها من أهم ما ينبغي لطالب العلم و لا سيّما لغير الجنس و خصوصا لمن كثرت بطالته فانّ الطبع سرّاق، فاذا خالط فلا يخالط الا من يفيده او يستفيد منه فان لم يتفق فالوحدة و لا قرين السوء، قال مؤلف هذا الكتاب عفى اللّه عنه سنذكر ان شاء اللّه تعالى في نور آخر أحوالنا و ما جرى علينا من ضيق المعاش ايام تحصيل العلم و كيف تنقلنا لأجل العلم من بلاد الى بلاد فمن راجعه سهل عليه الصبر على مضائق العلم و على اللّه التوكل.
و ثالثها ان يكون حريصا على التعلم مواظبا عليه في جميع أوقاته ليلا و نهارا سفرا و حضرا و لا يذهب شيئا من اوقاته في غير العلم الّا بقدر الضرورة لما لا بدّ منه من أكل و نوم و استراحة بسيرة لإزالة الملل و مؤانسة زائر و تحصيل قوت و غيره فانّ بقيّة العمر لا ثمن لها و من استوى يوماه فهو مغبون، و ليس بعاقل من امكنه الحصول على درجة ورثها (ورثة) الأنبياء ثم فوتها و لا بدّ دون الشّهد من ألم النحل و قيل:
|
لا تحسب المجد تمرا انت آكله |
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا |
|
و ان يكون عالي الهمة فلا يرضى باليسير مع امكان الكثير، و لا يؤخّر فائدة الى وقت آخر يرجو فيه ازالة الموانع فانّ هذا الوقت لم يخلق و اذا خلق فله فائدة أخرى و في الخبر الوقت سيف فان قطعته و الا قطعك، و ينبغي ان يأخذ في ترتيب العلم بما هو الأولى، و اذا اشتغل في فن فلا ينتقل عنه حتى يتقن فنه كتابا او كتابان ان امكن، و ليحذر التنقل من كتاب الى كتاب و من فن الى غيره من غير موجب فانّ ذلك علامة الضجر و عدم الفلاح، فاذا تحققت أهليته فالأولى له ان لا يدع فنّا من العلوم المحدودة الّا و تنظر فيه نظر تطلع، ثم ان ساعده العمر طلب التّبحر فيه فانّ العلوم متقاربة و بعضها مرتبط ببعض.
الفائدة السابعة آدابه مع شيخه، قال الصادق ٧ كان امير المؤمنين ٧ يقول ان من حق العالم ان لا تكثر عليه السؤال، و لا تأخذ بثوبه و اذا دخلت عليه و عنده قوم فسلم عليهم و خصّه بالتحية دونهم، و اجلس بين يديه و لا تجلس خلفه و لا تغمز بعينك و انّما مثل العالم مثل النخلة تنتظرها متى يسقط عليك منها شيء، و العالم اعظم أجرا عند اللّه من الصائم القائم الغازي في سبيل اللّه، و في الحديث المروي عن مولانا زين العابدين ٧ و حق سائسك بالعلم التعظيم له و التوفير لمجلسه و حسن الإستماع عليه و الإقبال عليه و ان لا ترفع عليه صوتك و لا تجيب احدا يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يجيب و لا تحدث في مجلسه احدا، و لا تغتاب احدا، و ان تدفع عنه اذا ذكر عندك بسوء، و ان تستر عيوبه و تظهر مناقبه، و لا تجالس له عدوا