الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٢٤
|
و اتملا حديث من سكن الخيف |
و لا تكتباها الا بدمعي |
|
|
فاني ان ارى الدّيار بطرفي |
فلعلي ارى الديار بسمعي |
|
و كما انّ السلطان المستقرّ في الحصن يحتاج في بقائه في ذلك الحصن الى الماء و الزّاد و اللّباس و سائر ما يحتاج اليه في المعاش فكذلك القلب، فانّ ابن آدم قد خلق أجوف يحتاج الى المأكل و المشرب الى غير ذلك مما يحفظ البدن، و لا يهتم الأنسان في تحصيل شيء الّا اذا أحبّه و علم انّ فيه مصلحة، فحينئذ فحب الزوجة و الولد و المال و الأقارب و الأعوان اذا كان لغرض ديني لا ينافي حبّ اللّه تعالى بل يؤكده و يقرّره، امّا المال ففيه معاونة المحاويج و الفقراء من اهل اللّه، و اما الزوجة فهي لباس الرجل السّاتر له و بها يحصل له التّعفف عن ارتكاب المحرمات.
و اما الأولاد فالمصالح الأخروية المترتبة على وجودهم اكثر من ان تحصى، روي انّ نبيا من الأنبياء مرّ على قبر يعذّب صاحبه ثم مرّ عليه بعد مدّة فلم يكن يعذّب فسأله أصحابه عن رفع العذاب عنه، فقال انّه خلف ولدا فجاءت به امه الى المعلم، فلقّنه بسم اللّه الرحمن الرحيم فاستحى اللّه ان يعذب رجلا و ابنه يقول بسم اللّه الرحمن الرحيم.
و اما الأقارب فهم من اعظم النّعم حتى لو كانوا اعداء، فان الصادق ٧ قال أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح أي المعادى، و بالجملة فحب هؤلاء و امثالهم لمثل هذه المصالح لا ينافي حب اللّه تعالى بل يجتمع معه و يكون معاونا على بقائه و استمراره، روي انّه ٧ سأل رجل من الشّيعة فقالوا له يا رسول اللّه قد تخلّى عن الدنيا و أقبل على العبادة، قال فمن اين يأكل؟ قالوا له أخر يعطيه، فقال انّ ثواب ذلك الأخ اكثر من ثوابه مع عبادته، و هذا اشارة الى ما ذكرناه، امّا اذا احبّ الولد لغرض دنيوي و كذا المال ليتوصل به الى الأغراض الفاسدة فهذا ممّا لا يجتمع مع حب اللّه سبحانه.
فان قلت فاذا احب هذه المذكورات لا للغرض الأول و لا للغرض الثاني بل لأن الطبيعة البشرية اقتضته فانّك ترى انّ الرجل يحب اطفاله و اقاربه و لا يخطر بخاطره شيء من الأغراض أ فيكون مثل هذا مضادا لحب اللّه سبحانه أم غير مضادّ له.
قلت الحق انّ مثل هذا لا يضاده، و ذلك انّ مثل هذه المحبّات يكون بها بقاء النّوع الأنساني، و لولاها لما عطفت الأمّ على الولد و آثرته على نفسها و وقته الحر و البرد و كذلك الرجل على ولده فتكون هذه المحبات منه تعالى لإنتظام النّوع و قد صرّحت بمثل هذه الأخبار، روي انّ اللّه تعالى خلق المحبّة على مائة جزء فقسم واحدا منها بين الخلق و به يحبّ الرجل ولده و الأمّ طفلها، و أبقى منها تسعة و تسعين جزء يرحم بها الخلائق يوم القيامة.