الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١١٢
و الحب هو ميل الطّبع الى الشيء الملتذ فان تأكد ذلك الميل و قوى سمّي عشقا، و البغض عبارة عن نفر الطبع عن المؤلم المتعب فاذا قوى سمّي مقتا، و حيث انّ الحب مقول بالإشراك بين حب اللّه سبحانه و بين حب النّاس لمحبوبهم مع انّ محلّهما واحد و هو القلب فلا بأس بالإشارة الى بيان مراتبه و تطبيق كل مرتبة من مراتب حب اللّه تعالى، لما اشتهر من قولهم المجاز قنطرة الحقيقة، و لأن الألفة بهذه المراتب مألوفة لأكثر الناس بخلاف مراتب حبّه تعالى فانّها ليست مأنوسة الّا لمن ارتضاه اللّه تعالى.
فاعلم اولا ان الحب على ما عرّفه بعضهم هو ايثار المحبوب على سائر المصحوب و قيل هو ميلك اليه بكلّيتك و ايثارك له على نفسك و موافقتك له سرا او جهرا، و قيل المحبة محو المحب بصفاته و ايثار المحبوب بذاته، و قيل هي هتك الأستار و كشف الأسرار و قيل هو محو الأشباح و ذوب الأرواح، و في بعض الكتب القديمة الحب سرّ روحاني يهوي من عالم الغيب الى القلب، و لذلك سمّي هوى، من هوى يهوي اذا سقط، و يسمى بالحب لوصوله الى حبّة القلب التي هي منبع الحياة، و اذا اتصل بها سرى مع الحياة في جميع اجزاء البدن و اثبت في كل جزء صورة المحبوب.
كما حكي عن الحلّاج انّه لمّا قطعت اطرافه كتب في مواقع الدم اللّه للّه قال هو:
|
ما قدّ لي عضو و لا مفصل |
الا و فيه لتكم ذكر |
|
و هكذا حكي عن زليخا انّها افتصدت فارتسم من دمها على الأرض يوسف يوسف و امّا ما اشتهر من قولهم: مجاز قنطرة الحقيقة فقد اشار اليه الشّيخ كمال الدّين عبد الرزاق في شرح منازل السّائرين، حيث قال العشق النظيف أقوى في تلطيف السر، و الأعداد للعشق الحقيقي فانّه يجعل الهموم همّا واحدا و يقطع توزع الخاطر و تفرّقه، و يلذذ خدمة المحبوب و يسهل التّعب و المشقة في طاعته، بخلاف العشق المنبعث من غلبة سلطان الشهوة فانّه وسواس و سعى في تحصيل لذّات النّفس و على هذين النّوعين يبني مدح العشق الصوري و ذمّه في كلام بعض العرفاء من الحكماء.
و هذه التعاريف كلها حق و تكثّرها انّما جاء من جهة تعدّد مراتبه و درجاته، و هي على تكثرها قد حصرت في خمسة: أولها الأستحسان و هو يتولد من النّظر و السّماع و لا يزال يقوى بطول التّفكر في محاسن المحبوب و صفاته الجميلة، و ثانيها المودة و هي الميل اليه و الألفة بشخصه و الأئتلاف الروحاني معه، و ثالثها الخلة و هي تمكن محبّة المحبوب من قلب المحب و استكشاف سرائره.
و رابعها العشق و هو الأفراط في المحبة حتى لا يخلوا العاشق من تخيّل المعشوق و ذكره لا يغيب عن خاطره فعند ذلك تشتغل النّفس عن استخدام القوة الشهوانية و النفسانية فتمتنع عن