الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٠٦
تعالى في حفظه، و أمّا صاحب الدرجة الأولى و هو لا يزال في التدبير من الوكيل و غيره، فظهر بهذا أنّ التوكل لا ينافيه الأعمال بل ربّما يحققه، نعم إذا سعى الإنسان في مجاهدات نفسه حتى بلغ الدرجة الثالثة كان غير محتاج إلى التبير و الأعمال و لكنّه هنا قد عمل أشقّ الأعمال و دبّر فوق كل تدبير و هو المجاهدة مع النفس حتى وطّنها على تلك الدرجة، فهذا غير مناف لما أمر اللّه سبحانه به من السعي لطلب الأرزاق، فإنّ مثل هذا السعي أشدّ من ركوب البحار و قطع القفار كما لا يخفى على من له أدنى إنصاف، و أمّا أعمال المتوكلين فاعلم أن الأسباب التي بها تجلب المنافع ثلاث درجات أيضا مقطوع به و مظنونا ظنّا يوثق به و موهوم و همّا لا تثق به النفس.
الدرجة الأولى المقطوع بها و ذلك مثل الأسباب التي إرتبطت المسببات بها بتقدير اللّه و مشيئته إرتباطا مطردا لا يختلف، كما إذا كان الطعام موضوعا بين يديك و أنت جائع محتاج و لكنّك لست تمد يدك إليه و تقول أنا متوكل و شرط التوكل عدم السعي و مد اليد إلى الطعام سعي و حركة، كذلك مضغة بالأسنان فهذا سفه و جنون و ليس من التوكل في شيء بل التوكل في هذه الصورة هو أن تمدّ يدك و تاكل و يكون توكلك هذا على فضله سبحانه حتى لا تجفّ يدك في الحال، و لا تفلج و ليصيبك ما يفزعك في حال الأكل.
الدرجة الثانية الأسباب التي ليست متعينة لكنّ الغالب أنّ المسببات لا تحصل بدونها كالذي يفارق الأمصار و القوافل و يسافر بالبوادي التي لا يطرقها الناس إلا نادرا و يكون سفره من غير إستصحاب زاد فهذا ليس شرطا في التوكل بل استصحاب الزاد في البوادي سنّة الولين؛ و من هذا كان الخواص إذا سافروا في القفار لا تفارقهم الإبرة و المقراض و الحبل و الركوة، و ذلك لأنّ الأغلب في البوادي أنّها خالية من هذه الأربعة التي يحتاج إليها المسافر، و لو انحاز رجل إلى شعب من شعاب الجبل خال من الماء و الكلأ و الساكن و جلس متوكلا فهو آثم؛ كما روي أنّ زاهدا من الزهّاد فارق الأمصار و اقام في سفح جبل سبعا؛ و قال لا أسأل أحدا شيئا حتى يأتيني ربي برزقي؛ فقعد سبعا فكاد يموت و لم يأته شيء، فقال يا رب إن أحييتني فأتني برزقي الذي قسمت لي و إلا فاقبضني إليك، فأوحى اللّه تعالى إليه و عزتي لا أرزقنّك حتى تدخل الأمصار و تعقج بين النّاس فدخل المصر و أقام فجاءه هذا بطعام و هذا بشراب فأكل و شرب فأوجس في نفسه من ذلك، فأوحى اللّه تعالى إليه أردت أن تذهب حكمتي بزهدك في الدنيا؛ أما علمت أن رزق عبدي بأيدي عبادي أحب إلي من بيد قدرتي، فإذن ترك الأسباب مراغم للحكمة لكن الإعتماد على اللّه سبحانه
كما روي أن عيسى ٧ قال انظروا إلى الطير لا تزرع و لا تحصد و لا تدخر و اللّه تعالى يرزقها يوما بيوم فإن قلتم نحن أكبر بطونا فانظروا إلى الأنعام كيف قيض اللّه لها هذا الخلق