الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٣٣
و بين عدوك عقدة او ألبسته منك ذمة فحطّ عهدك بالوفاء و اردع ذمتك بالأمانة، و اجعل نفسك جنة دون ما أعطيت فانّه ليس من فرائض اللّه سبحانه شيء الناس اشدّ عليه اجتماعا مع تفريق اهوائهم و تشتّت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود و قد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر، فلا تغدرن بذمتك و لا تخيسنّ بعهدك و لا تختلن عدوّك فانّه لا يجتري على اللّه الا جاهل شقي و قد جعل اللّه عهده و ذمته امنا أقضاه بين العباد برحمته و حريما يسكنون الى منعته و يستفيضون الى جواره فلا ادغال و لا مدالسة و لا خداع فيه و لا تعتقد عقدا تجوز فيه العلل و لا تعولن على لحن قول بعد التّأكيد و التّوثقة، و لا يدعونك ضيق امر لزمك فيه عهد اللّه الى طلب انفساخه بغير الحق فانّ صبرك على ضيق أمر ترجوا انفراجه و فضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته و ان تحيط بك من اللّه فيه طلبة لا تستقيل فيها دنياك و لا آخرتك.
ايّاك و الدماء و سفكها بغير حلها فانّه ليس شيء أدعى لنقمته و لا أعظم لتبعة و لا أحرى بزوال نعمة و انقطاع مدّة من سفك الدماء بغير حقّها، و اللّه سبحانه مبتدىء بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء يوم القيامة، فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فانّ ذلك ممّا يضعفه و يوهنه بل يزيله و ينقله و لا عذر لك عند اللّه و لا عندي في قتل العمد لأنّ فيه قيود البدن، و ان ابتليت بخطأ، و أفرط عليك سوطك او سيفك او يدك بعقوبة فانّ في الزكاة فما فوقها مقتلة فلا تطمحن بك نخوة سلطانك عن ان تؤدي الى اولياء المقتول حقهم.
و ايّاك و الأعجاب بنفسك و الثّقة بما يعجبك منها و حب الأطراء فان ذلك من اوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من احسان المحسن، و ايّاك و المن على رعيتك باحسانك و التزيد فيما كان من فعلك أو ان تعدهم فتتبع موعدك بخلفك، فانّ المنّ يبطل الأحسان و التزيد يذهب بنور الحق، و الخلف يوجب المقت عند اللّه و الناس قال اللّه سبحانه كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ.
و اياك و العجلة بالأمور قبل اوانها و التساقط[١] فيها عند امكانها او اللجاجة فيها اذا نكرت[٢] (تنكرت خ) و الوهن عنها اذا استوضحت فضع كل امر موضعه و أوقع كل عمل موقعه، و اياك و الأستثئار بما الناس فيه اسوة و التغابي عما يعني به ممّا قد وضح للعيون فانّه مأخوذ منك الناس اليك بلا مؤنة فيه عليك من شكاة مظلمة او طلب انصاف في معاملة.
[١] التساقط- بمد السين- من ساقط الفرس عدوه اذا جاء مسترخيا و في نسخة نهج البلاغة المطبوعة مع شرح عبده:
التسقط من قولهم في الخبر يتسقط اذا اخذه قليلا قليلا يريد به هنا التهاون.
[٢] قال عبده تنكرت لم يعرف وجه الصواب فيها و اللجاجة الأصرار على منازعة الأمر ليتم على عسر فيه.