الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢١٥
زدني يا يزيد، فقال يا امير المؤمنين ليس بينك و بين آدم الا أب ميت، فبكى و قال زدني يا يزيد، فقال يا امير المؤمنين ليس بين الجنة و النار منزل، فسقط مغشيا عليه، و ليتلوا الواعظ ان الدنيا دار من لا دار له، و مال من لا مال له، و لها يجمع من لا عقل له، و عليها يعادي من لا علم له، و عليها يحسد من لا فقه له، و من صح فيها سقم، و من سلم فيها هرم، و من افتقر فيها حزن، و من استغنى فيها فتن حلالها حساب و حرامها عقاب، من سعى اليها فاتته، و من قعد عنها اتته، لا خيرها يدوم و لا شرها يبقى.
و اعلم ان الذي اصبحت فيه من النعيم انما صار اليك بموت غيرك و هو خارج من يدك بمثل ما صار اليك و هل الدنيا الا كما قال الأول قدر يغلي و كنيف يملأ:
|
و لقد سألت الدار عن اخبارهم |
فتبسمت عجبا و لم تبدي |
|
|
حتى مررت على الكنيف فقال لي |
أموالهم و نوالهم عندي |
|
و قال الرشيد لأبن السماك عظني و بيده شربة من ماء، فقال يا امير المؤمنين لو حبست عنك هذه الشربة أ كنت تشتريها بملكك؟ قال نعم، قال أ رأيت لو حبس عنك خروجها أ كنت تفتديها بملكك؟ قال نعم، قال فما (فلا) خير في ملك لا يسوى شربة و لا بولة.
و حكى الأصمعي ان النعمان لما بنى الخورنق و أشرف عليه يوما و قد اعجبه ملكه وسعته و نفوذ امره، فقال لأصحابه هل أوتي أحد مثل ما أوتيت؟ فقال له حكيم من حكماء اصحابه هذا الذي أوتيت شيء لم يزل و لا يزول ام شيء كان لمن قبلك زال عنه و صار اليك؟ قال بل شيء كان لمن قبلي و صار الي و سيزول عني، قال فسررت بشيء تذهب عنك لذته و تبقى تبعته، قال فاين المهرب؟ قال امّا تقيم و تعمل بطاعة اللّه او تلبس أمساحا و تلحق بجبل تعبد ربك فيه و تفر من الناس حتى يأتيك أجلك، قال فاذا فعلت ذلك فمالي، قال حياة لا تموت و شباب لا يهرم، و صحة لا تسقم و ملك جديد لا يبليه، قال فاي خير فيما يفنى اللّه لأطلبن عيشا لا يزول ابدا، فانخلع من ملكه و لبس الأمساح و سار في الأرض و تبعه الحكيم، و جعلا يسيحان في الأرض و يعبدان اللّه حتى ماتا.
و هذا القصر قد بناه رجل اسمه سنمار و فلما فرغ من بنائه دخله النعمان و خواصه و تعجبوا من عظم بنائه و ارتفاعه، فقال لهم ذلك الباني و أعجب من هذا انّي اريك آجرة في حائطه اذا قلعتها تهدم هذا القصر العظيم كلّه فدلّه عليها، فأمر به فرموه من أعلى القصر، و قيل انّما رماه لئلا يبني لغيره من الملوك مثله، و قد صار جزاء سنمار مثلا بين الناس يضرب لمن يقابل الأحسان بالأسائة، و وجدت هذه الأبيات على مدينة سيف بن ذي يزن و هو من اعظم الملوك: