الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٨٩
مراتب الأدراك و ليس لها حدّ تقف عنده، فمن ثم ترى كلّا من اللاحقين تتكلم على دلائل السابقين و ينقصه و يأتي بدلائل اخرى على ما ذهب اليه، و لذلك لا ترى دليلا واحدا مقبولا عند عامة العقلاء و الأفاضل و ان كان المطلوب متحدا، فانّ جماعة من المحققين قد اعترفوا بأنه لم يتم دليل من الدلائل على اثبات الواجب، و ذلك انّ الدلائل التي ذكروها مبنية على بطلان التسلسل و لم يتم برهان على بطلانه فاذا لم يتم دليل على هذا المطلب الجليل الذي توجهت الى الأستدلال عليه كافة الخلائق فكيف يتم على غيره ممّا توجهت اليه آحاد المحققين و ان كان المراد به ما كان مقبولا بزعم المستدل به و اعتقاده فلا يجوز لنا تكفير الحكماء و الزنادقة و لا تفسيق المعتزلة و الأشاعرة و لا الطعن على من ذهب الى مذهب يخالف ما نحن عليه، و ذلك انّ اهل كل مذهب استندوا في تقوية ذلك المذهب الى دلائل كثيرة من العقل و كانت مقبولة في عقولهم معلومة لهم و لم يعارضها سوى دلائل العقل لأهل القول الآخر او دلائل النقل و كلاهما لا يصلح للمعارضة على ما قلتم لأنّ الدليل النّقلي يجب امّا تأويله او طرحه و دليل العقل لهذا الشخص لا يكون حجة على غيره لأن عنده مثله و يجب عليه العمل بذاك، مع انّ الأصحاب رضوان اللّه عليهم ذهبوا الى تكفير الفلاسفة و من يحذوا حذوهم و تفسيق اكثر طوائف الأسلام، و ما ذاك الا لأنهم لم يقبلوا منهم تلك الدلائل و لم يعدوها من دلائل العقل.
فان قلت فعلى ما ذكرت من عدم الأعتماد على الدليل العقلي فلا يكون معتبرا بوجه من الوجوه، قلت بل الدّليل العقلي ينبغي تقسيمه الى اقسام ثلاثة:
الأول كان بديهيا ظاهرا في البداهة و لا يعارضه آخر مثل الواحد نصف الأثنين و ما في درجته من البديهيات.
الثاني ما كان دليلا عقليا نقلي الّا انّ ذلك العقلي قد تعاضد مع نقلي آخر فهذا ايضا يترجّح على الدّليل النّقلي عند التّعارض و لكنّ التعارض في الحقيقة انّما هو بين النقليات، و ذلك كما دلّ الدليل العقلي على انّه تعالى ليس في مكان، و دل قوله تعالى الرحمن على العرش استوى، على المكان ظاهرا فيجب ترجيح ذلك العقلي لتأيّده بالنّقليات الدالة على انّه تعالى منزّه عن الكون و المكان.
الثالث ما تعارض فيه محض العقل و النقل من غير تأيّد بالنّقل فهذا لا نرجّح فيه العقل بل نعمل بالنقل و لا تستغرب مثل هذا فانه مدلول الأخبار الصحيحة الصّريحة فيه، و ذلك انّهم عليهم السّلام قد نهوا عن الأعتماد على العقول لأنّها ضعيفة لا تدرك الأحكام و لا عللها و ما حصل محققوا أصحابنا رضوان اللّه عليهم دلائلهم العقلية الّا بسبب ورود النّقل بمضمونها فأيّدوا النقل بذلك